قضية الشهر: نوفمبر 2010

العوامل المؤثرة في تشكيل صورة المرأة السعودية: رؤية تحليلية

د.ابراهيم اسماعيل عبده ( أكاديمي وباحث مصري )
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:

يعد مجال دراسات المرأة من المجالات الحديثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ إذ أدى الاهتمام المتزايد بدراسة قضايا المرأة إلى تراكم الدراسات المختلفة، ثم انفصالها - في أحيان عديدة- عن العلوم الاجتماعية الأم، ومن ثم تأسيس هذا المجال البحثي المستقل المعني بدراسات المرأة؛ والذي أصبحت له اقتراباته ومفاهيمه المتميزة (1). حيث تفرض الحاجة إلي التحليل العلمي الموضوعي تطوير الآليات التي من شأنها المساهمة في معالجة هذه الإشكالية القائمة، ومن بينها إتاحة الفرصة أمام الكتابات التي تعالج قضايا المرأة برؤية واقعية، وعدم الاقتصار على رأي أحادي محدد، يتبلور في ضوء منطلقات فكرية بعينها (2).

وتتعدد زوايا معالجة قضايا المرأة باختلاف توجهات الباحثين الذين يتصدون لتك المهمة؛ فعلماء الاجتماع على سبيل المثال يؤكدون على أهمية فهم المرأة فهماً موضوعياً وبعيداً عن التحيز. أما الاقتصاديون فتجدهم يركزون على دور المرأة في النشاط الاقتصادي على اعتبارها شريحة وجزءاً من القوى العاملة، وأن استثمارها في هذا القطاع يساعد على دفع وزيادة الإنتاج وبالتالي الإسراع في العملية التنموية. في حين يتناول علماء النفس المرأة باعتبار أن لها خصوصية تختلف عن الرجل سواء في انفعالاتها وتصرفاتها وسلوكها...وهكذا. وكنتيجة لاختلاف الآراء حول كيفية دراسة المرأة، بدأت الدراسات الاجتماعية تنظر الى عالم المرأة على أنه جماعة مميزة لها خصائصها البيولوجية، والسيكولوجية، والاجتماعية المختلفة عن جماعة الرجال. ولكن هذه النظرة لا يمكن أن تقودنا الى فهم حالة جديدة وهي افتراض وجود تعارض بين مجتمع الرجال والنساء، لأن كل واحد منهما غير منغلق عن الآخر، وهما متكاملان يكمل بعضهما بعضاً، وهذا واضح داخل العائلة حيث تضم الرجل والمرأة ويتجسد بينهما التعاون والتآلف والتكامل والتماسك وتدعيم القيم التقليدية للأسرة. هذه الأهداف التي يسعى إليها الرجل والمرأة هي جوهرية لأنها تساعد على ديمومة العلاقة بينهما وبالتالي يتحقق الاستقرار والتوازن داخل الأسرة بنائياً ووظيفياً (3).

وعلى الرغم من أن رصد التغيرات الاجتماعية في موضوع المرأة يعد أمر في غاية الصعوبة؛ حيث أنه لا يستوعبها بحث واحد؛ بل تحتاج إلى عدة بحوث متخصصة يتناول كل منها متغيراً من المتغيرات. إلا أننا نلحظ أن وتيرة التغير ومجالاته تسارعت وتنوعت في السنوات الأخيرة بشكل واضح، ولابد - كما يشير "عبد القادر طاش"- إذن من الاعتراف بأن وضع المرأة السعودية قد تغير عما كان عليه حالها قبل نصف قرن، ولابد من الاعتراف بأن وتيرة هذا التغير آخذة في التسارع على نحو لافت للأنظار. ولكن التغير الاجتماعي ليس ظاهرة باتجاه واحد بل هي ظاهرة ذات اتجاهات متعددة منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي ومنها ما هو مزيج بين الاثنين(4).

ويكشف تحليل ملامح الواقع الراهن عن أن للمملكة العربية السعودية خصوصيتها المتميزة وطبيعتها الاجتماعية المتفردة ونظرتها الخاصة لنظام الحياة الاجتماعية ونوع الدور المناط بكل من الرجل والمرأة في المجتمع السعودي. وهو الأمر الذي يبقي من الضروري الإشارة إليه خاصة في ظل التغيير الكبير الذي طرأ -على المستوى العالمى- فيما يتعلق بنظام الأسرة وطبيعة العلاقات الاجتماعية ونوع الدور المنوط بكل جنس، إلى جانب قوة الضغوط العولمية لفرض ثقافة كونية واحدة، تنصهر فيها كل الثقافات مخترقة بذلك العادات والتقاليد والمبادئ والقيم التي تميز الشعوب بعضها عن بعض (5). حيث يبدو واضحا ً أن موضوع المرأة والقضايا المرتبطة به؛ صار يشكل أحد الموضوعات المحورية المثيرة للجدل والنقاش في معظم المجتمعات على الصعيد الدولي؛ ومن بينها بالطبع المجتمع السعودي، والذي مر - مثل غيره من المجتمعات- بتغيرات كثيرة وسريعة، أثرت في بنائه وتركيبته؛ حيث زادت معدلات الهجرة من الأرياف والبوادي إلى المدن، وزادت تبعاً لذلك معدلات التحضر، وحلت الأعمال الحديثة، والوظائف العامة والخاصة مكان الأعمال التقليدية من زراعة ورعي وصيد. ودخلت المرأة المدارس وتعلمت، وارتفع مستوى المعيشة. وبرزت في الحياة العامة عناصر لم تكن معروفة من قبل مثل: الإعلام بصوره المختلفة، والعمالة الوافدة، والسفر إلى الخارج، واستخدام منتجات الحضارة المعاصرة المختلفة من وسائل نقل واتصال وترفيه، وأدوات كهربائية ومنزلية مختلفة. كل ذلك جعل دور المرأة يشهد كثيراً من التعديل، فكثرت أعداد الخريجات في الجامعات، وكثرت أعداد النساء العاملات في وظائف تناسبهن، وتخدم بنات جنسهن، وتزايدت تبعا لذلك الأصوات التي تؤيد خروج المرأة للعمل، كما ارتفعت أصوات أخرى تعارض ذلك، وبين هؤلاء وأولئك فئة ثالثة لا تمانع من مشاركة المرأة في التنمية شريطة أن تُؤخذ عقيدة المجتمع وثقافته وخصوصيته في الاعتبار(6).

وحين نتحدث عن صورة المرأة في ضوء خصوصية المجتمع السعودي، فإننا بشكل أو بآخر لابد أن نتحدث، بالإضافة إلى أهمية التراث الديني، عن المؤثرات التي صنعت واقعاً يعد - في جانب كبير منه - بمثابة نتاج لمجموعة من القيم والأفكار المتوارثة. ولأن مفهوم الثقافة متسع وعميق وله علاقة بالبنية العقلية للفرد وارتباط الوضع الثقافي بكافة مناحي الحياة فإن له تأثيراً في تشكيل صورة المرأة في المجتمع. ومع الوضع في الاعتبار أن ثقافة المجتمع - والمتضمنة لتاريخه وفكره وقيمه ورموزه التعبيرية...الخ - هي قالبه الذي صنعه، ولكنه ليس قالباً مغلقاً بل هو إناء قابل للتشكيل والتحديث وفق مرونته لذلك؛ ووفق معايير يحددها المجتمع ذاته (7).

إلا أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن مثل تلك الموروثات المتراكمة عبر العصور المختلفة - والمشار إليها سلفاً وغيرها مما لا يتسع المجال للتطرق إليه - أصبحت- في كثير من الأحيان- هي الإطار المرجعي للنظر في قضايا المرأة وكل ما يتعلق بها في المجتمع. وعلى هذا تبلورت أفكار ورؤى ساهمت فيها ظروف مجتمعية متعددة؛ تشابكت في إطارها تلك التقاليد والأعراف الاجتماعية المتراكمة مع تراث ديننا الإسلامي الحنيف. مع ملاحظة أن سياق التحليل هنا يفسر اصطلاح الموروثات المشار إليه باعتباره ينطوي على مفهومين أساسيين وهما على التوالي: مفهوم الأعراف ومفهوم التقاليد؛ حيث يشير الأول - الأعراف- إلي أنماط سلوكية يقوم بها الأفراد بناء على شرعيتها المكتسبة لديهم من تراث يحملها ويقرّها وتتم ممارستها دون استنكار أو رفض. بينما يتعلق الثاني -التقاليد- بمجموعة من الممارسات الإنسانية التي تتم المحافظة من خلالها على رواسب ثقافية متأصلة في المجتمع، وذات السلطان الواضح على أفراده (8). ولعل الاهتمام المحوري بالتقاليد، كمسألة مركزية لكل من الخصائص الكيفية والكمية للحياة الحديثة، أدى إلى نمو عدد من الثنائيات أو الثلاثيات في العلوم الاجتماعية، والتي كانت قائمة على التمييز بين ما هو تقليدي وبين ما هو حديث، ومن ذلك تمييز " تونيز" بين المجتمع والمجتمع المحلي، وتمييز "هنري مين، Henry Maine's" بين المرتبة أو المركز وبين العقد، وتمييز " دوركيم، Durkheim" المبكر بين المجتمعات التي تقوم على التضامن الآلي، وبين المجتمعات التي تقوم على التضامن العضوي(9).

ومما لاشك فيه، أن منظومة القيم السائدة في مجتمع ما تلعب دوراً كبيراً في طبيعة نظرة ذلك المجتمع للمرأة ومدى أهمية مشاركتها المجتمعية؛ فمن المعلوم أن سياقات هذه القيم والثقافة السائدة في عدد كبير من الدول تنظر لأدوار الرجل والمرأة في المجتمع من خلال أفكار دولية تعتمد حقوق الإنسان كأساس لاعتماد الحقوق والواجبات، دون التفكير كثيراً بالخصوصيات الثقافية والقيمية للمجتمعات المختلفة؛ أي أن هذا التيار العالمي والذي يحاول أن ينشر مفاهيمه من خلال العولمة يحاول أن يرى العالم من خلال نافذة ثقافية واحدة يعتبرها مثالية للمحافظة على حقوق الإنسان وخاصة المرأة، بغض النظر عن أية تمايزات واقعية ينبغي مراعاتها ووضعها في الحسبان(10).

ويكشف التحليل الموضوعي أن الثقافة الإسلامية تنطوي على قواعد وأسس محددة الملامح والأهداف والأساليب المعبرة عن الأفكار والمفاهيم والتصورات الإسلامية. وكان من أهم عناصر القيم الإسلامية تصحيح مفاهيم الإنسان لتستقيم نظرته إلى الأمور والمواقف والقرارات؛ بحيث يؤدي ذلك إلى تكوين تصور قيمي إسلامي واضح المعالم بالنسبة للأشياء والقيم فلا يدع الإنسان يحيد عن جادة الصواب. ومن حدود هذا الفكر والنهج المعتدل كان موقف الإسلام من المرأة؛ فكان من فضل تعاليم الإسلام أن كُرمت المرأة كإنسان كامل الأهلية والمسؤولية والتكليف تماماً كشقيقها الرجل. ولكن هذه الأفكار والقواعد القيمية الإسلامية وما ترتب عليها من تقاليد متوازنة وممارسات عملية عملت على تقدم المجتمع وازدهاره لم تتواصل في أذهان أفراد المجتمع بنفس النسق والطريقة؛ حيث طغت أحياناً بعض الأفكار الخاطئة فيما يخص نظرة المجتمع للمرأة. ولذلك اعتماداً على ثقافتنا الإسلامية، يجب أن نحافظ على سلامة التصور الإسلامي الأصيل إزاء قضايا المرأة، بطرق مختلفة متوفرة؛ منها التوجيه بالإعلام والإرشاد وتثبيت مفاهيم الإسلام السمحة والوسطية عبر مؤسسات: الأسرة، والمدرسة، والجامعة ومؤسسات المجتمع الأخرى (11).

ولعل مناقشة قضايا المرأة - سواء في كليتها أو فيما يخص تفصيلاتها الجزئية المتضمنة في سياق كل قضية على حده - يحيلنا إلي ارتباط معظم التحليلات الواردة في هذا السياق بمفهومين، كلاهما أيضاً مرتبط بالآخر، وهما مفهومي "التعصب" و"الصورة النمطية" على التوالي. فمن جهة يشير المعنى الحرفي لكلمة "التعصب Prejudice" في اللغة الإنجليزية إلي الحكم المسبق، بينما تنطوي الدلالة الضمنية للمفهوم على كونها بمثابة اتجاه سلبي غير مبرر نحو فرد أو جماعة، على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الجنس، أو أي فرق أو اختلاف آخر قابل للملاحظة. أو مجرد النظرة المتدنية لجماعة وإصدار أحكام غير موضوعية بشأنها، أو التقليل من شأن قيمتها أو قدراتها أو سلوكها أو صفاتها دون أسس منطقية. ومن جهة أخري ترجع أهمية الخوض في مناقشة دلالة هذا المفهوم في سياق التحليل الراهن إلي ارتباطه بآخر يعد بمثابة المكوّن المعرفي للاتجاه التعصبي؛ وهو مفهوم "الصور النمطية Stereotypes"، والذي يشير تحديدا إلي: تعميمات خاطئة أو غير دقيقه - إيجابية أو سلبية - يحملها الفرد بخصوص جماعة معينة(12).

وبطريقة أخري فإن مفهوم الصورة النمطية يشير إلي: "حكم قيمي سلبي أو ايجابي بالغ البساطة والتعميم يقترن بفئة من الناس ( قومية، ديانة، جنس.. الخ) متجاهلاً الفروق الفردية بين أعضاء تلك الفئة ويصعب تغييره في معظم الأحيان"…. ولذلك تعتبر الصور النمطية معممة حد الافتقار إلى الصحة. وبقول آخر فإنها في أغلب الأحيان تبني أحكاماً غير دقيقة، ومع هذا فإنها عادة ما تقرر سلوكنا بشكل تلقائي(13) (*).

وترجع خطورة سيادة مثل هذه التعميمات المتضمنة في إطار الصورة النمطية إلي أنها تسلب قدرتنا على التعامل مع كل عضو في الجماعة على أنه فرد بحد ذاته. ذلك أن المضمون النفسي للصور النمطية الاجتماعية يعني تصورات مجردة بالغة التبسيط والتعميم يحملها الناس عن جماعتهم أو عن جماعة أخرى. فعندما نحمل صورة نمطية عن جماعة، فإننا نميل إلى أن نتعامل مع كل عضو فيها كما لو كان شخصاً يحمل كل صفات الجماعة، بغض النظر عما إذا كان هذا الشخص يحمل تلك الصفات أم لا. وحتى لو كانت الصورة النمطية صحيحة جزئياً أو قائمة على حقيقة معينة، فإن الكثير من أفراد تلك الجماعة سوف يختلفون عن الصورة النمطية لجماعتهم بأمور جوهرية. كذلك فإن الصور النمطية تقود إلى توقعات ضيقة بخصوص السلوك الإنساني(14).

وفي الواقع، تعزي حساسية هذا الطرح، عند تحليل قضايا المرأة تحديداً فى ضوء مفهوم الصورة النمطية؛ إلي ما أكدت عليه العديد من الدراسات التي تناولت الصور النمطية، من أن انطباعاتنا الأولى عن الآخر- والذي يشير هنا أساساً إلي المرأة - تنشأ أو تقوم أساساً على توقعاتنا المسبقة. فحيثما ندرك موضوعاً أو حدثاً ما فإننا نقوم داخلياً بتصنيفه من خلال مقارنة المعلومات القادمة إلينا بما تخزنه ذاكرتنا من موضوعات أو حوادث سابقة مماثلة، استقرت فيها على شكل مخططات Schemas أو نظريات ثابتة عن الكيفية التي يعمل بها العالم المادي والاجتماعي، بأن تقسّم "الناس، الأشياء، الحوادث، والمواقف" إلى أصناف تأخذ صيغة مكوّن معرفي تساعدنا على إدراك وتنظيم ومعالجة المعلومات بشكل معين يحدد سلوكنا بطريقة تلقائية تغيب عنها في أحيان عديدة صفة الموضوعية(15).

وقد أكدت الدراسات على أهمية تحليل المؤثرات المتشابكة في تكوين صورة المرأة في أذهان المجتمع، لاسيما فيما يتعلق بسيادة مجموعة من التعميمات المتحيزة والمبالغ بها؛ باعتبارها تمثل جوهر مفهوم الصورة النمطية Stereotype(16). كما أعطت دلالة هامة على أن الصورة النمطية لم يكن منشأها - دائما- الرجل وحده بل ساهمت المرأة في ذلك (17). حيث كشفت دراسة هامة هدفت إلى التعرف على الصورة النمطية للمرأة السعودية وعلاقتها بمتغيري الجنس والعمر لدى طلاب وطالبات وأعضاء وعضوات بجامعة الملك سعود. وتألفت عينتها من (1146) طالب وطالبة وعضو وعضوة هيئة تدريس بجامعة الملك سعود. كشفت عن وجود صورة نمطية للمرأة السعودية لدى أفراد عينة الدراسة، وهذه الصورة النمطية محايدة عند الذكور والإناث. كما توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الشباب والراشدين في الصورة النمطية للمرأة السعودية، وتنطوي هذه الصورة النمطية للمرأة السعودية في محتواها على تحديد أدوار نوعية للمرأة السعودية تختلف باختلاف ذا دلالة إحصائية بين الذكور والإناث وكذلك بين الشباب والراشدين فيما تنطوي عليه هذه الصورة النمطية للمرأة من أدوار نوعية للمرأة السعودية (18).

وفي الإطار ذاته، تذهب دراسة أخرى إلي أن "المرأة السعودية"، يبقي عنوان مثير لوسائل الإعلام، كما أنه ذو بريق شكلي، قد يحول - أحيانا - دون المعالجة الجادة للقضايا المرتبطة بها. وعلى حد قول "الشايب": "تحولت قضية المرأة السعودية في الخارج والداخل إلى فضاء الإثارة من أجل الإثارة، ومجال للخلط والتشويه دون وعي حقيقي بالواقع"(19). وقد أكد على هذا الاستنتاج ما توصلت إليه إحدي الدراسات المهمة عن "آثار خلق الفضائيات "صورة ذهنية" مشوهة عن المرأة"؛ حيث "باتت النظرة "الغريزية" للمرأة تشكل عنفاً شديداً بحقها....وكرس من شدة هذا العنف, الصورة الذهنية التي أوجدتها بعض وسائل الاعلام, لا سيما القنوات الفضائية عنها, باعتبار أن هذه الصورة - الذهنية- تمثل مجموعة الأحكام والتصورات والانطباعات القديمة والجديدة المستحدثة, الايجابية منها و السلبية, التي يأخذها شخص أو مجتمع عن آخر، ويستخدمها منطلقاً وأساساً لتقييمه لهذا الشخص أو المجتمع, وليحدد موقفه وسلوكه ازاءه". ومما لاشك فيه أن مثل هذه الصورة من شأنها أن تؤثر سلباً في فاعلية المرأة وقدرتها على الانتاج, والتعاطي بإيجابية مع المجتمع (20).

ويتسق هذا - في سياق متصل - مع ما كشفت عنه إحدى الدراسات التي اهتمت - في جانب كبير منها- برصد التناول الإعلامي لقضايا المرأة وصورتها في وسائل الاعلام العربية بعامة؛ عن أن وسائل الاعلام تركز على ترسيخ الصور السلبية عن المرأة، بالإضافة إلى استخدامها كأداة في الاعلانات حتى وإن لم تكن لها علاقة بالسلع المعلن عنها. كما ينحاز الاعلام العربي للصور والأدوار التقليدية للمرأة ويحاول أن يحصرها في ثلاثة صور متكررة: الأم المعطاءة والزوجة الخاضعة والابنة المطيعة , كما لا يكف عن تحريضها على تقليد النماذج النسائية الأمريكية والأوروبية، غير المتلائمة وظروف واقعنا كمجتمع عربي إسلامي(21).

وعلى الرغم من اختراق المرأة العربية العديد من المجالات التي كانت في السابق حكراً على الرجال ووصولها إلى مراكز سياسية وإجتماعية وثقافية واقتصادية مرموقة، إلا أن الإعلام العربي بمختلف وسائلة المرئية والمسموعة والمقروءة مازال يقدم صور عن المرأة العربية لا تخرج عن أدوار معينة؛ حيث يصورها في صور نمطية عدة - سلبية في الغالب - فهي المرأة السطحية أو الخائنة أو المغلوبة على أمرها أو الجذابة والمثيرة، أو غير المسيطرة على عواطفها وبالتالي غير قادرة على التفكير السليم(22).

وعليه يبقي من المهم التأكيد على أن وسائل الإعلام باتت أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل صورة المرأة السعودية والعربية عموماً. حيث يبقي النظر لقضايا المرأة عملية تستدعي تحليلها في إطار ثنائية صورة الثقافة وثقافة الصورة؛ أي في سياق صورة الثقافة الكلاسيكية وثقافة الصورة العصرية الفوضوية، ذات الإغراءات المتنوعة التي تخاطب الغرائز المكبوتة وتتسم بالسرعة والوضوح والتأثير. مع الوضع في الاعتبار أن صورة الثقافة -هنا- ترمز أساسا إلي تلك الصورة النمطية التي شكلت الإطار المرجعي الذي تتحرك ضمنه كل الأفكار والرؤى المتعلقة بالمرأة خصوصاً, وهو الإطار المسئول عن تشكيل صورة المرأة في المجتمع السعودي، وذلك من خلال تنشئتها الاجتماعية وفقاً لمقاييسه وضوابطه وقواعده. أما مصطلح ثقافة الصورة فيرمز إلي الثقافة والأفكار والإيديولوجيات والقيم والمثل التي تصنعها وتشكلها الصورة المتأتية من الفضائيات التي تبث إرسالها دون توقف؛ كسمة أساسية من سمات العصر الحاضر، أو ما يمكن تسميته – مجازاً – عصر الحضارة الرقمية المتمثلة بالصورة التي تمارس في بعض الأحيان الهيمنة والسيادة والسيطرة على الكثير من العقول والأفكار؛ لتغدو على الصعيد المعرفي الابستمولوجي أو الثقافي والقيمي العام مصدراً من مصادر المعرفة وتشكيل الرؤى والأفكار؛ والتي تزاحم بدورها المصادر المعرفية التقليدية؛ فلم تعد الصورة قضية عفوية عشوائية بل أضحت صناعة وفن لها قوانين ومبادئ لا تنسحب على مجال المتعة والترفيه فقط بل تمتد إلى ميادين العلم والمعرفة بل وتأسيس نوع خاص من الثقافة أو ما يطلق عليه الثقافة البصرية "visual culture" ذات الأهداف المحددة، والتي تنطلق أساساً من قناعات معينة إزاء القضايا التي تناقشها والتوجهات التي تتبناها، والمتمثلة على وجه التحديد فيما يتعلق بنطاق التحليل الحالي في المعالجات المتعلقة بالمرأة وقضاياها عموماً، والمرأة السعودية وخصوصيتها الكائنة على وجه الدقة (23).

خاتمة

في ظل هذا الاهتمام بقضايا المرأة العربية بصفة عامة، والخليجية بصفة خاصة بداية من منتصف القرن العشرين، لم يعد يُنظر إليها في نطاقها الضيق من حيث العلاقة بين الجنسين، وطبيعة الأدوار الفعلية لكل منهما فقط، بل أصبح النظر إليها من خلال أبعاد تنموية ومجتمعية شاملة؛ حيث تستبعد تلك الرؤية الاعتقاد الشائع بأن كل مكسب للنساء يعني خسارة للرجال، فلقد أكدت نتائح العديد من البحوث والدراسات التي تناولت قضايا ومشكلات المرأة العربية أنها تؤثر سلباً على نصف سكان المجتمع، وهو ما يجعل منها - دون شك- موضوعاً جديراً بالاهتمام (24).

الهوامش

(1)- عزت، هبة رؤوف (2004): الأهلية السياسية للمرأة وصلاحيتها للولايات العامة، دراسة منشورة، (في): موقع المرأة العربية والمشاركة السياسية ضمن المواقع الالكترونية للمعهد الدولي لتضامن النساء، الأردن،3 أيار، http://www.awapp.org

(2)- الشايب، جعفر (2004): المرأة السعودية في الحوار الوطني وما بعده، الأحد 17/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م، http://www.aljazeera.net

(3)- غباش، موزة (2001): دور المرأة في القطاع الخاص وآليات تفعيل هذا الدور، ورقة مقدمة في ندوة "تفعيل دور المرأة في القطاع الخاص"، التي نظمتها غرفة التجارة والصناعة والزراعة، الفجيرة، الإمارات العربية المتحدة، ص ص4-5.

(4)- بادحدح، علي (2004): المفاهيم المتعلقة بالمرأة بين العادات والتقاليد وتعاليم الدين الحنيف، (في): مؤتمر "حقوق وواجبات المرأة السعودية" المنعقد بالمدينة المنورة خلال الفترة 12-14 يونيو.

(5)- الأهدل، نبيهة بنت محمد إبراهيم (2004): المشاركة الاجتماعية للمرأة حقوقها وواجباتها ( الواقع و المأمول )، (في): مؤتمر "حقوق وواجبات المرأة السعودية" ، المصدر السابق.

(6)- الزهراني، عبد الرزاق بن حمود (2004): المشاركة الاجتماعية للمرأة.. حقوقها وواجباتها نحو الأسرة والمجتمع (الواقع والمأمول)، (في): مؤتمر "حقوق وواجبات المرأة السعودية"، المصدر السابق.

(7)- باشطح، ناهد (2004): صورة المرأة السعودية في ذهنية المجتمع: ثقافة المجتمع في قفص الإتهام، منشور (في): مركز الدراسات أمان، فبراير، http://www.amanjordan.org

(8)- العلواني، رقية طه جابر (2009): وضع المرأة الاجتماعي بين جدلية الأعراف وتأويل النصوص، ورقة عمل (في): بوابة المرأة العربية الإلكترونية، http://www.womengateway.com

(9)- المقدم، مهى سهيل (2009): أثر التربية في تعزيز دور المرأة التنموي، بحث منشور (في): الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي، http://isegs.com/forum

(10)- الفاعوري، نوال (2009): الثقافة والقيم ومشاركة المرأة السياسية، ورقة عمل مقدمة في المؤتمر الوطني للتنمية السياسية والمرأة الأردنية: مرتكزات الخطاب وآليات الممارسة،اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة،عمان.

(11)- المصدر السابق.

(12)- صالح، قاسم حسين (2008): الكراهية والتعصب.. واذكاء الشعور بالمواطنة"مدخل لثقافة المصالحة"، الحوار المتمدن العدد: 2219، 13 مارس.

(13)- السبيعي، نوف (1428): الصور النمطية في المجتمع السعودي، جريدة الرياض، العدد 14168، الاثنين 21 ربيع الأول 1428هـ - 9 أبريل 2007م

(*) – تجدر الإشارة إلى أن الاهتمام بالصور النمطية قد انبثق من الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً في الثلاثينيات، ويعتبر"والتر ليبمان" أول من استخدم مصطلح "Stereotype" لتفسير أن الشعور الذي يحمله أي شخص تجاه حدثٍ ما، هو في الأساس نابعٌ من تصوره الذهني للحدث وأن ما يقوم به لا يعتمد على معرفة مباشرة بل على صورة صنعها أو أُعطيت له. وقد بدأت الدراسات الاجتماعية في هذا الخصوص من خلال تناول الصور النمطية العرقية "Racial Stereotype" التي كانت سائدة في تلك الفترة ثم بدأت دراسة الشعوب الأخرى أثناء الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى السياسة فيما يسمى بدراسات السلوك الدولي، وفي الستينيات ونتيجة لإقرار الحقوق المدنية اهتمت وسائل الإعلام بتأثيرات الصور النمطية وتم تنظيم العديد من المؤتمرات وورش العمل وذلك لنقد الصور التي تتعلق بالزنوج، وفي السبعينيات ظهر ما يعرف بـ "Social Stereotype" أو الصورة النمطية الاجتماعية، وفي الثمانينيات امتد الاهتمام بها ليصل إلى علوم متنوعة كعلم النفس، والاجتماع، وعلم الأعراق، وعلوم اللغة والأدب والفنون، القانون والإعلام الاجتماعي. يُنظر في ذلك: المصدر السابق.

(14)- صالح، قاسم حسين (2008): الكراهية والتعصب.. واذكاء الشعور بالمواطنة، مصدر سابق.

(15)- المصدر السابق.

(16)- نظمي، فارس كمال (2006): الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية (دراسة ميدانية)، (في): الحوار المتمدن العدد: 1439، 23 يناير.

(17)- باشطح، ناهد (2004): صورة المرأة السعودية في ذهنية المجتمع: ثقافة المجتمع في قفص الإتهام، مصدر سابق.

(18)- السليمان، هند عبدالعزيز وايل (1424): الصورة النمطية للمرأة السعودية وعلاقتها بمتغيري الجنس والعمر لدى عينة من طلاب وطالبات وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، قسم علم النفس، رسالة ماجستير، كليه التربية، جامعه الملك سعود، 1424هـ - 2003م.

(19)- بوابة المرأة (2009): النُّخب النسائية السعودية.. والتغيير الاجتماعي، دراسة منشورة (في): بوابة المرأة العربية الإلكترونية، http://www.womengateway.com

(20)- الساموك، صفد حسام حمودي (2009): تعدد القنوات الفضائية وتكريس ممارسات العنف ضد المرأة في العراق: دراسة في آثار خلق الفضائيات "صورة ذهنية" مشوهة عن المرأة، دراسة منشورة (في): بوابة المرأة العربية الإلكترونية، http://www.womengateway.com

(21)- عبد الرحمن، عواطف (2001): الاعلام المصري وقضايا المرأة في الصعيد، (في): الاعلام والتنمية والمرأة، المجلس القومي للمرأة، القاهرة، ص ص 128 – 130.

(22)- الصيفي، صلاح (2008): صورة المرأة في الإعلام العربي بين الإجحاف والموروث التاريخي، (في): موقع آفاق الالكتروني، مؤسسة آفاق للإنتاج الإعلامي والثقافي، واشنطن،4 ديسمبر، http://www.aafaq.org

(23)- السماوي، مهند حبيب (2007): المرأة السعودية بين صورة الثقافة وثقافة الصورة، منشورات مركز مساواة المرأة، 3 أكتوبر،http://www.c-we.org

(24)- الطراح، علي (2006): تمكين المرأة الخليجية بين تحديات مجتمعية ورؤى مستقبلية، ورقة عمل (في): مؤتمر المجتمع المدني وتمكين المرأة العربية /البحرين، فبراير 2006.

التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
ثلاث عوامل لإنجاح العلاقة الزوجية

كثر الكلام عن المشاكل الزوجية وعدم التوافق بين الأزواج وفى إعتقادى أنه لابد من توافر ثلاث عوامل حتى يتم الإنسجام الزوجى والنفسى والجسدى بين الزوج و الزوجة
وهى الآتى :-
1- عامل عاطفى
2- عامل نفسى
3- عامل بدنى

اضغط هنا للتفاصيل

مؤتمر الأسرة والإعلام وتحديات العص

تتعرض الأسرة العربية لتحديات كثيرة وأخطار متنامية مع ما يشهده المجتمع من تحولات متسارعة وتغيرات مادية وفكرية تتزامن مع اتساع وتيرة العولمة والانفتاح المحلي على الثقافات الغربية، خصوصاً مع اتساع نطاق الثورة التكنولوجية والاتصالية والمعلوماتية التي أتاحت مجالاً واسعاً لتغلغل تأثيرات الثقافات الأخرى على واقع المجتمع العربي. ومن ثم باتت الأسرة مطالبة بمواجهة تحديات العصر وعلى رأسها جملة من التحديات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية. ومما لا شك فيه أن ثمة عوامل كثيرة مستحدثة تشابكت في تأثيرها، وأحدثت تغيرات سلبية على نسيج الأسرة العربية مما أفقدها قدراً كبيراً من تماسكها ووحدتها، وانعكس ذلك على أدائها لمسئوليتها وأدوارها كأحد أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية. لذلك عقد مركز الدراسات المعرفية – بالقاهرة بالتعاون مع كلية الإعلام – جامعة القاهرة مؤتمر"الأسرة والإعلام وتحديات العصر

اضغط هنا للتفاصيل

نسرين عبدالله غندوره

 العوامل المؤثرة على دافع الإنجاز لدى المرأة العاملة بالمنظمات الحكومية في المملكة العربية السعودية

 Factors Effecting the Achievement Motive among

Working-Women In Governmental Organization in

Saudi Arabia

إعداد الطالبة : نسرين عبدالله غندوره

جامعة الملك عبدالعزيز

كلية الاقتصاد والادارة

قسم الادارة العامة

المستخلص

تتمثل مشكلة الدراسة في أن المرأة السعودية بعد أن تلتحق بالوظيفة العامة تجد نفسها أمام العديد من العقبات التي تقف في طريقها وتعوقها عن تحقيق أهدافها، مما يضعف دافع الإنجاز لديها ويصيبها بالإحباط وبالتالي ينخفض مستوى أدائها لعملها، ورغبتها في الاستمرارية به، ويؤدي إلى عدم مبالاتها بالعمل مما ينعكس سلبياً على إنتاجية المنظمة ككل.

اضغط هنا للتفاصيل

المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية طرح موضوع

المرأة السعودية : التعليم والعمل : تحديات مطروحة مداخل نظرية :
هناك أتفاق واضح في أدبيات التنمية على العلاقة الهيكلية والايجابية مابين التعليم والعمل وخاصة بالنسبة للمرأة . وقد أسهمت منشورات ألأمم المتحدة في توضيح هذه الجوانب بالنسبة لكثير من دول العالم فمزيداً من العليم والتدريب يعني مزيداً من فرص العمل ودفعاً للمشاركة العامة للمرأة ( تقارير للتنمية البشرية . UNDP: 1995 ، 2000 ، 2003 ).
من جانب آخر أكدت نظريات سوق العمل ( Human Capital Theory ,The Screening model, The Job competition model, and the Segmentation Theory )
على العلاقة الكلاسيكية ما بين التعليم والعمل فمزيدا من الاستثمار في التعليم والتدريب يجب أن يدفع إلى مزيداً من الفرص المتاحة للمستثمر وهو هنا الطالب ليجد مزيدا من فرص العمل

اضغط هنا للتفاصيل

اعلان للمشاركة في القضية

يتيح موقع أسبار للدراسات والبحوث والإعلام لزواره من الباحثين المتخصصين الكتابة في باب (قضية الشهر) الذي يَنشر مطلع كل شهر ميلادي بحثاً أو مقالة علمية تتسم بالمنهجية الرصينة، وتتناول قضايا تتصل بالواقع المحلي أو الخليجي أو العربي اعتماداً على معلومات موثوقة، ومراجع علمية أصيلة. ويشترط ألا يقل عدد كلماتها عن ألفي كلمة مذيلة بالهوامش، وأن تحتوي على مقدمة قصيرة وخاتمة. وسوف يخصص للقضايا المنشورة مبلغ (1000 ريال) على أن تصل قبل يوم 20 من كل شهر ميلادي.

ايميل التواصل: ghadia@asbar.com

1
910

 

ERROR
تمت إضافة تعليقك ، وسوف تظهر في الموقع بعد موافقة المسؤول عن الموقع.
​* مطلوب​
* الرجاء إدخال البريد الإلكتروني الصحيح​
* مطلوب