د. إدريس لكريني- أستاذ الحياة السياسية؛ كلية الحقوق، مراكش
يحيل مصطلح التنمية إلى مجموعة من التحولات الهامة التي تطال المجتمع في مختلف المجالات(الاجتماعية، السياسية؛ الاقتصادية؛ المعرفية؛ التقنية..) بالصورة التي توفر الشروط اللازمة لحياة أفضل داخل المجتمع وبما يحقق التطور والرفاه لأفراده..
ويعتبر البحث العلمي أحد المقومات الأساسية للحضارة والتقدم والتنمية.. فقد ساهم في إخراج البشرية من الظلمات إلى النور وفي إبعادها عن شبح الخرافة التي يسيطر عليها(1) .
وسواء في صورته المرتبطة بالعلوم الطبيعية أو تلك التي تنصب على مقاربة العلوم الإنسانية؛ فالبحث العلمي يعد أدق وأسمى الحقول المعرفية؛ فهو يعتمد على مناهج وسبل منظمة قوامها التجربة والملاحظة لاستجلاء الحقائق والمعارف والتأكد من الفرضيات بصدد مواضيع وقضايا مختلفة؛ بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة تسهم في حل مشاكل وقضايا المجتمعات.
بل إن الدول المالكة للعلم والمعرفة أضحت هي المتحكمة في شؤون العالم المعاصر؛ بعد أن وظفت الإمكانيات التي يتيحها هذا القطاع بشكل بناء.
وأمام الإكراهات التي تقف حجر عثرة أمام بلورة تنمية حقيقية في عدد من الأقطار العربية؛ تظل المراهنة على البحث العلمي خيارا استراتيجيا رابحا؛ لتجاوز مختلف هذه الصعوبات والاختلالات في هذا الشأن. وبخاصة وأن التنمية التي لا تنبني على مقومات علمية تدعمها وتطورها؛ تظل في آخر المطاف تنمية هشة مفتقدة لأي أساس استراتيجي.
أولا- واقع البحث العلمي في الأقطار العربية
إذا كانت العديد من الآراء والاتجاهات تربط التنمية أساسا بالاعتبارات الاقتصادية؛ فإن الإنسان يظل من الناحية الافتراضية هو محور كل تنمية حقيقية؛ فهو وسيلتها الرئيسية كما هو هدفها في آخر المطاف؛ بحيث ينبغي أن تنصب على تأهيله وتمكينه من مختلف المقومات العلمية والعملية والاجتماعية والاقتصادية.. ويعتبر البحث العلمي أحد المداخل الرئيسية التي تدعم بلورة تنمية إنسانية حقيقية.
وينطوي هذا القطاع - البحث العلمي- على أهمية قصوى في عصرنا الحالي؛ ولذلك يشهد استثمارا متزايدا من لدن الدول المتقدمة في عدد من المجالات والميادين؛ وتخصص له إمكانيات مالية وتقنية وبشرية هائلة؛ باعتباره خيارا استراتيجيا لتجاوز مختلف الإكراهات ولمواجهة عدد من التحديات الكبرى في بعدها المحلي والدولي.
بل إن حجم الاستثمار في هذا الشأن والاهتمام به؛ أضحى معيارا ومؤشرا أساسيا لقياس مستويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.. داخل الدول.
ولا يخفى الارتباط الوثيق والتفاعل المفترض بين البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية، بالتنمية الوطنية والإعمار، ويبدو أن الدول المتقدمة صناعيا؛ بارعة في ترسيخ هذا الارتباط والاستفادة منه لأقصى الحدود؛ حيث يعود التحسن في مستوى معيشة أفرادها بنسبة 60 إلى 80% إلى التقدم العلمي والتقني؛ بينما يعزى هذا التحسن بنسبة 20 إلى 40% إلى وجود رأس المال (2).
إن تحقيق التنمية المستدامة باعتبارها هدفا استراتيجيا؛ يفترض أن يلبي احتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرات واحتياجات الأجيال المقبلة؛ يتطلب استحضار عنصر البحث العلمي والانفتاح على ما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من إمكانات وإنجازات واعدة في هذا الشأن .
وهذا ما تؤكده العديد من التجارب العالمية في كل من كوريا الجنوبية والصين وماليزيا..؛ التي استثمرت خلالها الإمكانات المذهلة التي يتيحها هذا الحقل وما يرتبط به من تقدم علمي؛ بشكل فعال لصالح تطور وتنمية ورفاهية المجتمع في مختلف الميادين والمجالات، وما يتبع ذلك من حث وتشجيع على البحث والابتكار واستثمارهما على أحسن وجه.
فالدول التي تعرف كيف تطبق مخرجات البحث العلمي؛ نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات عديدة؛ مثل تصنيع الآلات والأجهزة الحربية، وهذا يجعلها تتفوق عسكريا؛ وتكثر مساهماتها الثقافية والعلمية في الحضارة الإنسانية، أو في مجال تقديم الخدمات المتنوعة لمواطنيها وفق أحدث الأساليب، أو في نموها الاقتصادي وبناء المصانع وزيادة الإنتاج وحسن استغلال الموارد الطبيعية (3).
إن تنمية وتطوير الرأس المال البشري التي تتمثل في تشييد وصيانة البنى الأساسية التي تكفل لدولة ما تعليما ومهارات يمكناها من مواكبة باقي دول العالم؛ تمثل أهمية أساسية بالنسبة إلى قدرة الدول النامية؛ ليس في مجال تحسين وضعها فحسب؛ وإنما أيضا من أجل المساهمة في رفاهة كل البشر (4).
جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 أنه أصبح واضحا، ومقبولا بصورة عامة، أن المعرفة هي العنصر الرئيسي في الإنتاج، والمحدد الأساسي للإنتاجية، ورأس المال البشري.
وعليه فقد أكد التقرير أن قلة المعرفة وركود تطورها يحكمان على البلدان التي تعانيهما بضعف القدرة الإنتاجية وتضاؤل فرص التنمية (5).
إن الاعتماد على معطيات ونتائج البحث العلمي وتلافي الارتجال والعشوائية في اتخاذ القرارات والتدابير على اختلاف أنواعها؛ يمنح هذه الأخيرة مصداقية ونجاعة واستقرارا؛ بما ينعكس بالإيجاب على تطور وتنمية المجتمع.
ويفترض في مراكز ومؤسسات الأبحاث والدراسات بمختلف تخصصاتها أن تلعب أدوارا كبيرة في هذا الصدد؛ وبخاصة على مستوى وضع الخطط والدراسات والمقترحات والتوصيات المرتبطة بمجالات مجتمعية حيوية على طريق ترشيد القرارات وتوجيهها.
وقد وقف تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ حول مجتمع المعرفة؛ على الأوضاع الصعبة التي تعيق تطور مجتمع المعرفة في مختلف الأقطار العربية بشكل عام؛ وسلط الضوء في هذا السياق على الوضعية الحرجة التي تعيشها العديد من الجامعات؛ وركز على مختلف الإكراهات التي تعوق تطور البحث العلمي في الأقطار العربية من قبيل غياب استراتيجية علمية عربية بينية واضحة في أهدافها وآلياتها؛ الأمر الذي يؤكده غياب قاعدة بيانات بالمؤسسات البحثية وبالباحثين والخبراء العرب وباهتماماتهم المختلفة وبمجال اشتغالهم؛ وضعف التنسيق بين مؤسسات البحث العربي؛ ناهيك عن عدم وجود صناديق خاصة بتشجيع ودعم وتمويل مختلف الأبحاث والدراسات .
وتشير إحصائيات صدرت سنة 2005؛ إلى أن الدول العربية مجتمعة؛ خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7 مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي.. في حين وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل خلال نفس السنة إلى 4.7 بالمائة من ناتجها القومي الإجمالي (6).
ويعد القطاع الحكومي هو الممول الرئيس لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80 بالمائة من مجموع التمويل المخصص للبحوث والتطوير مقارنة ب 3 بالمائة للقطاع الخاص و8 بالمائة من مصادر مختلفة، وذلك على عكس الدول المتقدمة وإسرائيل؛ حيث تراوح حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي 70 بالمائة في اليابان و52 بالمائة في إسرائيل والولايات المتحدة (7).
ومعلوم أن غياب شروط ناجعة وفعالة للبحث العلمي في عدد من الأقطار العربية؛ يؤدي حتما إلى إهدار الطاقات البشرية (8) والمالية ويقلص من فرص التنمية الحقيقية.
ويشير أحد الباحثين إلى أن العلماء العرب أسهموا بنحو ثمانية آلاف بحث علمي في عام 1996 للمجلات الدولية المحكمة، وهذا يعادل 60 بالمائة مما أنتج في الصين، و50 بالمائة مما أنتج في الهند، ويزيد بنسبة 30 بالمائة فقط عما نشر في كوريا الجنوبية خلال العام نفسه، ويضيف بأن الإنتاج العلمي للوطن العربي يبلغ حاليا 72 بالمائة فقط من إنتاج إسرائيل وحدها في هذا الإطار (9).
ثانيا- إكراهات البحث العلمي في الأقطار العربية
يتسم الإقليم العربي بعجزه عن امتلاك ناصية المعرفة؛ ووجود فجوة كبيرة دائمة الاتساع بينه وبين العالم المتقدم تتضاعف بشكل مطرد (10).
وتعتبر العديد من الأقطار العربية من ضمن أكثر الأقطار حاجة إلى تطوير البحث العلمي والمراهنة عليه في تنميتها؛ وذلك بالنظر إلى مجموعة من الاختلالات التي تعتور هذا القطاع الحيوي؛ فالاعتمادات المالية المرصودة له داخل عدد من هذه الدول لم تصل بعد 1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام؛ وهي نسبة ضعيفة وتبتعد كثيرا عن المعدل العالمي المحددة في 2.3 بالمائة، تؤثر بشكل سلبي على البنيات التحية المرتبطة بهذا الشأن؛ حيث تظل في مجملها تقليدية وغير كافية.
فبموجب تقرير اليونسكو لسنة 1998؛ فإن الإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي عام 1996 بلغ 0,14 بالمائة من إجمالي الناتج الإجمالي، مقابل 2,53 بالمائة بالنسبة لإسرائيل (11) و2,9 بالمائة لليابان، و1,62 بالمائة لكوبا عام 1994؛ بينما تنفق فنلندا حوالي3,5 من دخلها الإجمالي على القطاع، كما أن التعاون بين العلماء والباحثين العرب يبقى ضعيفا ودون المستوى المطلوب.
وفي الوقت الذي انتقل فيه معدل الإنفاق العام على البحث العلمي في كوريا الجنوبية؛ من حوالي 0،02 بالمائة في سنوات الستينيات؛ إلى ما يربو على 5 بالمائة سنة 2000؛ ذكر تقرير صادر عن نفس المنظمة لسنة 2004 بأن الدول العربية خصصت ما يناهز 1,7 مليار دولار في هذا الشأن؛ وذلك بنسبة 0,3 بالمائة من الناتج القومي العام فقط.
إن تدني تمويل البحث العلمي من قبل القطاعات الإنتاجية والخدمية في البلدان العربية يفسر إلى حد ما محدودية النشاط الابتكاري في البلدان العربية، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن التمويل الحكومي الذي تصل نسبته إلى 89 بالمائة من مجمل التمويل؛ يستهلك معظمه في تغطية رواتب العاملين (12) في هذا القطاع.
كما تؤكد مختلف التقارير والإحصاءات المحلية والدولية ضعف الإمكانيات المخصصة لقطاع التكنولوجيا الحديثة في عدد من الأقطار العربية؛ ناهيك عن مختلف الاختلالات التي تعتور قطاع التعليم بكل مستوياته.
فقد أشارت إلى المأزق الذي تعرفه منظومة التعليم في كثير من الأقطار العربية؛ نتيجة لعجز المؤسسات التعليمية عن مسايرة مختلف التطورات العلمية (13)؛ وعدم انفتاحها على المجتمع؛ بالإضافة إلى اعتماد أغلبها على مناهج تعليمية جامدة ومتجاوزة؛ ترتكز إلى الحفظ والتلقين والشحن؛ عوض الفهم والمناقشة والإبداع والتحفيز على طرح الأسئلة؛ وفي ظل نظم وبرامج تعليمية وتربوية عقيمة؛ أغلبها ينحو إلى الماضي أكثر منه إلى الحاضر والمستقبل؛ ويكرس التقليد والتبعية بدل الاجتهاد والإبداع.
وتشير بعض الإحصائيات الخاصة بتصنيف وترتيب الجامعات الدولية بحسب جودتها وأفضليتها؛ إلى الوضعية المأزومة التي تعيشها مختلف الجامعات العربية في هذا الشأن؛ فباستثناء بعض الجامعات السعودية التي تبوأت مكانة مشرفة ضمن تصنيف سنة 2008؛ يلاحظ أن هذه الجامعات العربية جاءت في مراتب متدنية (14).
كما أن معظم مراكز البحث والتطوير في البلدان العربية غير مهيأة لتحويل ناتج بحث إلى منتج استثماري بسبب غياب هذه التوجهات عن اهتماماتها أصلا؛ أو بسبب غياب المعارف والخبرات والإمكانات اللازمة للقيام بالأنشطة الابتكارية المطلوبة؛ وهي تختلف بطبيعتها ومتطلباتها عن أنشطة البحث والتطوير المتعارف عليها ضمن المفاهيم السائدة حاليا (15).
ومن جهة أخرى؛ ظلت نظرة صانع القرار السياسي للمثقفين بمختلف اهتماماتهم العلمية والإبداعية والفكرية.. حذرة ومشوبة بالشك والارتياب في كثير من الأقطار العربية..
كما أن هناك جزءا من النخبة المثقفة؛ يبدو وكأنه قد ابتعد أو غيب عن قضايا وتطلعات مجتمعاته، وتخلى عن أدواره التنويرية المفترضة؛ بل وأسهم في تكريس ثقافة التعتيم، وبين هذا وذاك فضل البعض الانعزال والانكفاء (16)..
وعلاوة على افتقار عدد من الأقطار العربية إلى باحثين أكفاء متفرغين لشؤون البحث فقط؛ كما هو الشأن بالنسبة للدول الرائدة في هذا المجال؛ فإن عددا كبيرا من الباحثين والمفكرين.. يشتغلون بشكل فردي؛ ولم تتبلور لديهم القناعة بعد بأهمية العمل الجماعي.
وأمام ندرة المنابر العلمية من مجلات ودوريات متخصصة..؛ وغياب مختبرات علمية مهيأة ومجهزة بشكل كاف ومتطور؛ كان من الطبيعي أن يتسم النشر العلمي العربي بالضعف والمحدودية (17).
أما البحث العلمي في العلوم الإنسانية؛ فقد لاحظ أحد الباحثين أنه لا يتمتع اليوم بالحرية الأكاديمية وحتى النسبية منها، حيث يمنع الباحثون من معالجة عديد الإشكاليات البحثية.. وهو الأمر الذي يفسر مدى تقزيم المعرفة العربية.. خلافا لحرية الممارسة في الفضاءات الأورو- أمريكية (18)..
ويضيف بأن المتوقف على الحصيلة البحثية للمراكز العربية الحكومية منذ استقلال بلادنا السياسي، سينتابه الذهول والحيرة للمردودية المتواضعة جدا؛ إذا ما قورن ذلك بحصيلة الأبحاث التي أنجزت على صعيد المراكز البحوث الأوربية مثلا (19).
ومعلوم أن هذه العوامل مجتمعة؛ تعرقل تحويل نتائج الأبحاث والدراسات إلى تطبيقات ميدانية وتحول دون تسويقها محليا ودوليا.
وأمام هذه الوضعية التي تعكس الغياب الواضح للأقطار العربية عموما؛ عن قائمة الدول الرائدة في هذا المجال (20)؛ يظل اتخاذ تدابير وإجراءات على طريق تطوير منظومتي التعليم والبحث العلمي؛ أمرا ملحا وضروريا؛ باعتبار ذلك مدخلا مناسبا لتحقيق التنمية المرجوة ولولوج عالم التكتلات بكل حزم وثقة في النفس .
ثالثا- مداخل لتطوير البحث العلمي في الأقطار العربية
إن هذه الوضعية بكل تحدياتها وصعوباتها؛ تفرض تكثيف الجهود بين مختلف الفاعلين (21)؛ من أجل تطوير أداء المؤسسات المعنية بالبحث العلمي بمختلف تخصصاته وتخليقها أيضا؛ على طريق التأسيس لمعرفة عقلانية ومنتجة وخلاقة؛ تنبني على رؤية استراتيجية متفاعلة مع الواقع المحلي ومع تحديات المحيط؛ وقادرة على إعداد جيل قادر على الابتكار والمبادرة.
والاهتمام بحقل البحث العلمي في الأقطار العربية وتطويره؛ يتطلب تجاوز النظرة التي ترى في العلم والتكنولوجيا مجرد سلعتين يمكن استيرادهما من الدول المتطورة؛ ويفترض أن يبدأ ببلورة استراتيجية حقيقية وواضحة لتطوير منظومتي التعليم والبحث العلمي؛ باعتبارهما قطاعين حيويين لا يتجزءان؛ وبتوفير الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية اللازمة لعمل المراكز والمؤسسات المرتبطة بهذا القطاع وتطويرها؛ والانفتاح على مجمل النتائج والخلاصات والتوصيات (22).. التي تقدمها عبر أبحاثها ودراساتها؛ والاستفادة منها؛ ورصد الموارد اللازمة لاستعمال التكنولوجيا الملائمة للتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية؛ وبتأهيل الجامعات وبدعم المطبوعات والكتب والمجلات والدوريات الأكاديمية والعلمية؛ بالشكل الذي يجعلها في متناول الباحثين والمهتمين والقراء..
وأمام الإمكانيات المالية الضخمة التي يتطلبها البحث العلمي؛ يقترح أحد الباحثين (23) اعتماد مجموعة من التدابير والحلول لحل مشكلة التمويل؛ من قبيل فرض ضريبة لصالح البحث والتطوير على الصناعة؛ وإنشاء وقفيات للبحث العلمي كما كان عليه الحال في الماضي..؛ وتخصيص نسبة من دخل الجمارك لهذا الغرض أيضا أو إصدار طابع بريدي باسم التنمية يعود جزء من عائده على البحث العلمي؛ أو إضافة ضريبة على أسعار تذاكر السفر وتشجيع التبرعات الخاصة. بالإضافة إلى الإسهامات المفترضة في هذا الشأن للشركات الأجنبية التي تستخرج الموارد الطبيعية، ناهيك عن الإمكانيات الهامة الذي يمكن أن يتيحها التعاون الدولي في هذا المضمار؛ وكذا المؤسسات والمنظمات الدولية ذات الصلة.
إن رصد الإمكانيات اللازمة لإنجاز الأبحاث والدراسات؛ لا ينبغي أن يحول هذا المجال النبيل إلى فضاء تجاري قوامه الإثراء السريع والتهافت على الربح؛ بقدر ما يفترض استحضار المصالح العليا للمجتمع في علاقتها بالتنمية والتطور والرفاهية.. وهو ما يتطلب أيضا مواجهة بعض المظاهر التي تسيء للبحث العلمي من قبيل تفشي السرقات العلمية والزبونية والاحتكارية والإقصاء ورفض العمل الجماعي داخل مختلف المؤسسات والمنتديات الرسمية والخاصة والمدنية المحسوبة على هذا الحقل.
وإذا ما استحضرنا أن قوة الدولة والمجتمع لا تنبني على العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية.. فقط؛ بقدر ما تتأسس أيضا على عناصر أخرى ترتكز إلى الرأسمال الإنساني والذي يعتبر البحث العلمي والتعليم والتربية أهم مداخلها، فإن إعطاء الاهتمام والأولوية لهذه العناصر؛ هو مدخل لبلورة أسس ومرتكزات متينة باتجاه تحقيق تنمية حقيقية تؤكد على الإنسان باعتباره وسيلة وهدفا؛ وبخاصة وأن عددا من التقارير الدولية تضع عددا من دول المنطقة العربية في قائمة الدول ذات التنمية المتوسطة.
وعلاوة على بعض التجارب الرائدة في هذا الشأن (24)؛ يقدم الاتحاد الأوربي تجربة ونموذجا حيا في هذا السياق؛ فهو يمول بحوثا مشتركة أو يقوم بتوزيع بحث معين على أكثر من طرف وفقا للمزايا التي يمتلكها هذا الطرف أو ذاك (25).
كما ينبغي توفير قاعدة بيانات للباحثين العرب في الداخل أو في بلاد المهجر؛ وتحديد لائحة بأهم الدراسات والأبحاث المطلوبة؛ بالإضافة إلى إحداث جوائز وتحفيزات لمراكز البحث وللباحثين المتميزين؛ وتجاوز التعقيدات الإدارية المرتبطة بإنجاز الأبحاث العلمية أو إحداث المراكز والمؤسسات البحثية. وينطوي عقد شراكات بين مختلف المراكز البحثية على المستوى العربي والدولي؛ أهمية كبرى.
ولا يخفى أيضا الدور الطلائعي الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في تعزيز وتطوير العلم والتكنولوجيا؛ وهو ما يفرض تشجيعه وفتح المجال أمامه عبر عقد شراكات واتفاقات في هذا الاتجاه.
ويعتبر المدخل القانوني أيضا ضروريا لتوفير الشروط الملائمة لاعتماد التكنولوجيا الحديثة وإحداث مراكز البحث بصورة مرنة.
ويعتقد البعض أن سن القوانين التي تسمح بإنشاء المؤسسات الأكاديمية الخاصة..؛ يعد مخرجا وحيدا لإنقاذ مجتمع المعرفة العربي من النفق المظلم الذي زج به منذ الاستقلال السياسي للبلاد العربية (26).
ويمكن القول إن تفريط فئة واسعة من النخبة العربية المثقفة في استقلالية المجال المعرفي.. يمثل عائقا جوهريا في سبيل إنتاج مجتمع المعرفة؛ خصوصا عندما تستخدم المعرفة وسيلة للأهداف السياسية أو وسيلة للولاءات الداخلية أو الخارجية (27).
ومما لا شك فيه أن البحث العلمي يظل بحاجة إلى شروط موضوعية وفضاء حر قوامه سلطة القانون واحترام حقوق الإنسان في مختلف تجلياتها؛ تحفز على الإبداع والاجتهاد والابتكار بكل حرية واستقلالية؛ ولذلك "فإن تضييق الحريات الفكرية في مجال المعرفة هو حرمان سياسي للمجتمع من قدراته وهدر لها، من أوجه مختلفة، بما فيها الاقتصادي، إضافة للاجتماعي والثقافي" (28).
| |
د. إدريس لكريني
(أستاذ الحياة السياسية؛ كلية الحقوق، مراكش)
|
الهوامش
1 - صالح إبراهيم المتيوتي: أصول البحث العلمي القانوني؛ الموقع الإلكتروني لجامعة البحرين:
http://www.uob.edu.bh/colleges/ara/law/research/main.asp
2 - يوسف يعقوب السلطان: الإسلام وتنمية العلم والبحث العلمي؛ الموقع الإلكتروني لمركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية: http://www.kantakji.com/fiqh/Files/Research/2212.doc
3 - يوسف يعقوب السلطان: الإسلام وتنمية العلم والبحث العلمي؛ المرجع السابق
4 - محسن يوسف: نحو مستقبل أفضل؛ استراتيجية لبناء قدرات العلم والتكنولوجيا على الصعيد العالمي؛ تقديم إسماعيل سراج الدين؛ المجلس المشترك بين الأكاديميات؛ المجلس الأعلى للثقافة؛ مكتبة الإسكندرية؛ الطبعة الأولى 2005؛ ص 55
5 - عوني فرسخ: رؤى نقدية لتقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 (حلقة نقاشية)؛ مجلة المستقبل العربي؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ لبنان؛ عدد 287 يناير 2003؛ ص 65
6 - ناصر صالح الرعدان: البحث العلمي والتنمية؛ جريدة الرياض؛ السعودية؛ العدد 14428؛ بتاريخ 25 ديسمبر 2007.
7 - ناصر صالح الرعدان: البحث العلمي والتنمية؛ مرجع سابق
8 - يبدو أن غياب شروط موضوعية للبحث العلمي في بعض الأقطار العربية دفع بعدد من الباحثين إلى الهجرة لبلدان غربية أو عربية أخرى بحثا عن شروط أفضل للبحث.
9 - محمد أبو طه: إحصائيات مختصرة حول واقع البحث العلمي في العالم العربي؛ الموقع الإلكتروني لجامعة القدس المفتوحة:
http://www.qou.edu/homePage/arabic/researchProgram/publication2Doc/6.doc
10 - يعتقد أحد الباحثين أن هذه الفجوة تتضاعف كل ثمانية عشر شهرا؛ بعد أن كانت تتضاعف كل ست سنوات في الثمانينيات من القرن المنصرم. انظر في هذا الشأن؛ علي محسن حميد: البحث العلمي في الدول العربية: عوائقه ومقتضياته؛ مجلة شؤون عربية؛ الأمانة العامة لجامعة الدول العربي؛ العدد 131 خريف 2007، ص 170
11 - يشير الأستاذ أنطوان زحلان إلى أن الصين تخصص الآن حوالي 155 مليار دولار للبحث والتطوير، أي ما يزيد على 35 ضعفا لما يخصصه العالم العربي لهذين الغرضين لكل شخص. انظر جريدة البيان؛ الإمارات؛ ديسمبر 2008، 16 ذو الحجة 1429هـ، العدد 10406
12 - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ نحو إقامة مجتمع المعرفة؛ المطبعة الوطنية عمان؛ الأردن، 2003؛ ص 73
13 - إضافة إلى عدم الانفتاح اللازم على التقنيات التكنولوجية الحديثة في هذا الشأن؛ يلاحظ أيضا عدم إيلاء الاهتمام الكافي لعدد من التخصصات المرتبطة بالرياضيات.. والعلوم الحقة بشكل عام.
14 - احتلت جامعة الملك سعود الرتبة 292 بموجب هذا التصنيف واحتلت جامعة فهد المرتبة 302 واحتلت جامعة الملك عبد العزيز الرتبة 1203؛ انظر في هذا الشأن الموقع الإلكتروني:
http://www.webometrics.info/top100_continent.asp?cont=aw
15 - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ مرجع سابق؛ ص 74
16 - إدريس لكريني حوار مع جريدة المنعطف، المغرب؛ حول الشأن الثقافي بالمغرب، منشور في نفس الجريدة؛ عدد 2653 بتاريخ 25 شتنبر 2006
17 - نشير مثلا إلى أن الإنتاج العلمي بإيران؛ تضاعف في العشر السنوات الأخيرة بحوالي 10 مرات.
18 - عبد الجليل التميمي: دور مراكز البحوث العربية في استراتيجية التنمية المعرفية للأمة: الواقع والآفاق؛ ضمن ندوة دولية حول: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ مركز الدراسات الدستورية والسياسية؛ مراكش ومؤسسة كونراد أديناور؛ 16 و17 أبريل 2004؛ الطبعة الأولى 2005؛ مطبعة النجاح الجديدة؛ المغرب؛ ص 27
19 - عبد الجليل التميمي: دور مراكز البحوث العربية في استراتيجية التنمية المعرفية للأمة: الواقع والآفاق؛ مرجع سابق؛ ص 27 و28
20 - ويشير أحد الباحثين في نفس السياق إلى أن المنطقة العربية تظل غائبة تماما عن خريطة البحث العلمي الدولية.. ومع هذا لا تعض الأصابع عندما تعلم أن الدول المتقدمة تستحوذ علي بالمائة 98 من البحث العلمي، وأن الصين والهند والمكسيك والبرازيل وجنوب أفريقيا تختص ب95 بالمائة من ال 2بالمائة للباقية. انظر علي محسن حميد: البحث العلمي العربي: الضرورة المهملة؛ مجلة شؤون عربية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية؛ العدد 134؛ صيف 2008 الموقع الإلكتروني للمجلة: http://www.arabaffairs.org/
21 - من المؤكد أن أسباب هذا المأزق كثيرة ومتباينة؛ تتأرجح في مجملها بين عوامل ذاتية مرتبطة بالمؤسسات البحثية وبالباحثين أنفسهم؛ وأخرى موضوعية يفرضها المحيط المحلي في علاقته باختيارات الدولة ومدى اهتمامها بهذا القطاع الحيوي.
22 - إن هذا الانفتاح يقتضي بضرورة اقتناع صانعي القرار بأن المشورة العلمية تؤدي حتما إلى تحسين وترشيد وتوجيه عملية صنع القرار في مجال السياسات العامة.
23 - علي محسن حميد: البحث العلمي في الدول العربية: عوائقه ومقتضياته؛ المرجع السابق؛ ص 174
24 - مثلا توجد في كوريا مراكز الامتياز، وتحصل على مساندة ودعم من جانب وزارة العلم والتكنولوجيا، وهي تضم مراكز للبحث العلمي ومراكز للبحث الهندسي ومراكز بحث إقليمية، وتعمل جميعها بوصفها أدوات رئيسية لتعزيز البحث والتطوير في الجامعات. وتركز هذه مراكز البحث العلمي في عملها على النظريات الجديدة في مجالات العلم الأساسي والبحث المعمق حول الظاهرة الطبيعية؛ وتشدد مراكز البحث الهندسي على تطوير تكنولوجيا صناعية متقدمة؛ بينما تعنى مراكز البحث الإقليمية للبحث بالتعاون البحثي بين الجامعات الإقليمية ورموز الصناعة.. انظر في هذا الشأن؛ محسن يوسف: نحو مستقبل أفضل؛ استراتيجية لبناء قدرات العلم والتكنولوجيا على الصعيد العالمي؛ مرجع سابق؛ ص 106
25 - علي محسن حميد: البحث العلمي في الدول العربية: عوائقه ومقتضياته؛ مرجع سابق؛ ص 174
26 - عبد الجليل التميمي: دور مراكز البحوث العربية في استراتيجية التنمية المعرفية للأمة: الواقع والآفاق؛ مرجع سابق؛ ص 28
27 - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ مرجع سابق؛ ص 147
28 - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؛ مرجع سابق؛ ص 76