قضية الشهر
فبراير / 2010

"الإعلامي الجديد" ومستقبل "إعلامه"

د. فهد العرابي الحارثي (باحث سعودي)
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:

تمهيد

تبدلت اليوم اتجاهات الإعلام، فقد شهدت صناعة وسائل الإعلام في العالم، وتحديداً في الغرب، تغيرات هائلة في السنوات الأخيرة، سواء من ناحية الشكل والمضمون، أو طرق العرض، أو حجم الإيرادات المالية أو سلوك المستهلكين.

وقد تمكنت قطاعات جديدة مثل الانترنت والجوال ووسائل الإعلام الرقمية الأخرى من تجاوز وسائل الإعلام التقليدية (تلفزيون، راديو، صحافة) من ناحية معدلات النمو وانتزاع بعض من حصصها.

 تحديات وخيارات:

وفي هذا السياق خلص استطلاع، اشترك فيه 704 من رؤساء تحرير وكبار محرري الصحف الدولية، إلى أن 44 في المائة من الناس سيحصلون على الأخبار من الإنترنت خلال السنوات العشر المقبلة. ولا تتوقف المنافسة عند المواقع الإلكترونية الإخبارية، والصحف الإلكترونية الخالصة، أو المواقع الإليكترونية التي تتبع لصحف ورقية، بل إن المنافسة تشمل ساحات أخرى للسباق، مثل موقع التعارف الاجتماعي الشهير "فيس بوك". الذي بدأ أساساً كموقع للتعارف الاجتماعي أو الــ Social Networking، وهو يعتمد بشكل كبير على المحتوى المزود من قبل المستخدم، أو الـ   User Generated Content ، مثل الآراء والمعلومات الشخصية والصور وغيرها. ويعتبر الغرض الأساسي من الموقع هو التواصل بين أعضائه المسجلين به.

 وإضافة إلى "فيس بوك" هناك مواقع تعارف اجتماعي أخرى حققت نجاحاً لافتاً مثل "ماي سبيس" و"آي سمول ورلد" ولينكد إن". فضلا عن "تويتر" الذي بدأ خدمة التدوين المصغر منذ العالم 2006م. وموقع "فليكر" الذي يزعم أنه يحوي أكثر من 3 مليارات صورة عن مختلف الموضوعات، يقوم مستخدموها بتحميلها والإضافة إليها باستمرار. و"فليكر" كان نتيجة طبيعية لتنامي انتشار الكاميرات الرقمية وسهولة "التحميل" إلى أجهزة الكومبيوتر.

 وقد نفذ قوقل خطوة إستراتيجية لافتة، وهي شراء موقع "يوتيوب" الذي تفوق على خدمة "غوغل فيديو" التي كان الموقع قد قدمها سابقاً، وقد لاقى موقع "يوتيوب" أهمية كبرى، حيث أصبح لعدد كبير من قادة العالم بمثابة "قنوات" خاصة بهم، يتواصلون من خلالها مع العالم، ومن بين هؤلاء الملكة رانيا العبدالله، والرئيس باراك أوباما، ورئاسة الوزراء البريطانية. وآخر أخبار الموقع هي إطلاق نسخة منه باللغة العربية والعبرية.

 وعلى الرغم من أن هذه المواقع ليست مواقع إعلامية تقليدية (بمعنى أنها لا تقدم قصصاً خبرية أو محتوى إعلامي)، فهي تمثل مستوى عالياً من المنافسة، وذلك لأنها لا تسحب البساط إخبارياً من مؤسسات إعلامية تقليدية فقط، بل إنها تسحب "الوقت" الذي كان يمكن لشخص أن يمضيه في تصفح جريدة أو مشاهدة تلفزيون، ساحبة أيضاً مجموعة من المعلنين الذين كان ولاؤهم محصوراً في تلك الوسائل.

 وتشير الإحصاءات إلى أن حصة الإنترنت اليوم من سكان الأرض نحو مليار ونصف المليار نسخة بما يوازي 23% من مجموع سكان الكوكب.

 والأمر لم يعد يقتصر على "الشبكة العنكبوتية"، بل هناك 3.3 مليار مستخدم للجوال أو ما يعادل نصف سكان الكرة الأرضية. وطبقاً لمؤسسة "انفورما" للأبحاث في بريطانيا فإن ايرادات الإعلانات على الهواتف الجوالة ستحقق هذا العام نحو 1.7 مليار دولار على المستوى العالمي، ولكنها ستقفز بشكل كبير على مدى السنوات الخمس المقبلة حيث من المتوقع ان تبلغ نحو 12.1 مليار دولار بحلول عام 2011.

 وفي ظل هذا الانقضاض المهول على صناعات المعرفة والمعلومات من قبل وسائل مذهلة أوجدتها ثورة التكنولوجيا الاتصالية فإن البعض يرى أن الاحتمالات المتشائمة التي حملتها مقولة الرئيس التنفيذي لشركة ميكروسوفت في العام 2000م بأن الصحف الورقية ستموت وتنتهي بحلول عام 2018م، ما زالت قائمة". فالمؤشرات إلى هذا الأمر قد تظهر بوضوح في الصحف الأمريكية. فهناك تغيير في سلوك المستخدمين، وسلوك المعلنين، وفي الإعلان نفسه، "فالكل يتجه للاعتماد على الكومبيوتر والانترنت للوصول إلى أكبر شريحة من القراء.. الجيل الجديد من الشباب يرى أن الصحف الورقية مملة". إن الاعتماد على متابعة الأخبار عبر الهواتف الجوالة في تزايد مستمر كذلك.

 وبالفعل فقد تراجع في العام 2007م التوزيع والإعلان في الولايات المتحدة بمقدار 3% وفي أوروبا هبط معدل التوزيع 1.9% وعلى مدى السنوات الخمس الماضية تراجع توزيع الصحف في أمريكا بنحو 8% ومع ذلك فإن السوقين الأمريكية والأوروبية، ما تزالان تسيطران على نحو 61% من سوق الإعلان العالمي.

 وفي هذا السياق فإن بيانات مؤسسة زينيث أوبتميديا zenith optimedia المتخصصة في المجال الإعلاني، وهي تتخذ من لندن مقراً لها، تشير إلى ارتفاع سوق الإعلان العالمي فقد ارتفعت هذه السوق إلى 522.5 مليار دولار في العام 2009 يقابل ذلك حوالي 495 مليار دولار في عام 2008. وطبقاً لمؤسسة "برايس ووترهاوس كوبرز" فإن إيرادات وسائط الإعلام الرقمية والجوالة من المتوقع أن تقفز إلى نحو 154 مليار دولار بحلول عام 2011، في حين أن إيرادات الصحافة ستواصل النمو لتبلغ نحو 133 مليار دولار خلال الفترة ذاتها. ومن المتوقع هنا أن تستأثر إعلانات التلفزيون بنصيب الأسد، أي بنسبة 37%من إجمالي سوق الإعلان على المستوى العالمي.

 لقد نقلت التكنولوجيا الجديدة الصراع بين الوسائل إلى ساحات أخرى، فهي لم تعد محصورة كالسابق بين الصحافة الورقية والتليفزيون في شكليهما التقليدين، فقد توسعت الساحات ذاتها، ودخلها عناصر جديدة غيرت تماماً من طبيعة الصراع ووسائله. فالإنترنت تقدم طرقاً مختلفة في "عرض" المعلومات، كما سيأتي، كما أنها تدفع نحو المستهلك أدوات مختلفة للتصفح. أما من حيث المضمون فهي أيضاً، على خلاف الصحافة التقليدية، فهي في نمو متواصل في كل لحظة كما سيأتي ذكره، والتغطية الخبرية يمكن أن تتم تغذيتها بالمستجدات دون توقف، كما أن الخبر نفسه أضحى عرضة للموت في أي لحظة بسبب المستجدات ذاتها. فالإنترنت جمعت بين يدي مستهلكي المعرفة كل ما هو مطلوب: المعلومة، الصورة، الحركة، السرعة، اليسر والسهولة في التداول والتفاعل.

 النص الإلكتروني:

وإذا كانت الثورة التكنولوجية قد قدمت لمستهلكي المعرفة خيارات جديدة للحصول على ما يريدون من المعلومات والأشكال والصور فإن ذلك قد اقتضى بالضرورة أن يشترط في منتجي تلك المعرفة سلوكات لم تكن ضرورية في السابق، أي وفق الوسائل التقليدية. فلقد أضحى المفهوم الجديد للصحافي الإلكتروني يتطلب مهارات عديدة أخرى منها الإلمام بتصور جديد لكتابة القصة الإخبارية أو التحقيق والقدرة على التصوير بكاميرا الفيديو، والتصوير الرقمي، مع أهمية إضافة تلك العناصر لإثراء النص وإعطائه تميزه.

 فإن صحيفة "نيويورك تايمز" تقدم للقراء خبرة تتميز بالثراء على شبكة الإنترنت فبالإضافة إلى النص المكتوب هناك مقاطع فيديو وأخرى صوتية، وأساس هذا كله هو النطاق والعمق والاستشهاد الذي تتميز به كتابة التقارير المنشورة على موقع صحيفة "نيويورك تايمز".

 وبهذا فإن النص الإلكتروني (الخبر أو القصة الخبرية) يعد نصاً مفتوحاً، ومن الممكن أن يمتد ليضيف معلومات تاريخية وعلمية (عن طريق الروابط مثلاً) بل يمكن لكاتب النص أن يخدم الحدث عبر كل فروع المعرفة الأخرى. كما قد يدعم النص بمواد بصرية وسمعية كما ذكرنا آنفاً. ويمكن استخدام برنامج "غوغل إيرث" للمساعدة في خدمة الحدث في المكان الذي يراه القارئ أمامه رأي العين. هذا فضلاً عن أن النص الالكتروني يبقى نصاً نشيطاً ومتفاعلاً طوال الوقت، فهو نص متجدد على مدار الساعات والدقائق، أي فضاء مفتوح لمن يريد أن يضيف إليه، ليس فقط من الصحفيين المحترفين بل أيضاً من الهواة والمتطوعين الذين اقتحموا أسوار النص الإنترني بلا هوادة، فهم يشتركون في ولادته وصناعته، وهم ممن يعمل على تنميته وتغذيته. أما الخدمات التفاعلية فهي شأن آخر يعني بالرأي وفق منظور البرلمان المشرع لكل من يريد التداخل سلباً أو إيجاباً. وهذه سمة أخرى للنص الجديد، وهي أيضاً وفي الوقت نفسه أحد الخيارات المهمة التي تقدمها التكنولوجيا الجديد لمستهلكي المعرفة. ومازلنا نتذكر أن النص المطبوع يظل دائماً نصاً مغلقاً يفتقد إلى التجدد والحركة وينتهي بنهاية آخر كلمة في التقرير. وهو يبقى في الوقت ذاته صناعة مقتصرة على المحترفين وقد استفادت صحيفة "نيويورك تايمز" من التفاعلية التي تميز الشبكة الإلكترونية، فقامت بدعوة الشهود في حادثة هبوط رحلة ايروايز الأمريكية رقم 1549 في نهر هودسون، وأجرت مقابلات معهم وأدرجت الصور التي لديهم. (17صورة)، كان من بينها لقطة رائعة التقطها أحدهم باستخدام هاتفه الجوال لحظة ارتطام الطائرة بالمياه. وكان هناك رابط بين الصحيفة ومشهد فيديو من "إم إس إن بي سي". كانت قصة كبيرة ونموذجاً للتغطية السريعة على شبكة الإنترنت. وإذا كان القليل من التفاصيل خاطئاً، مثلما قالت السلطات في البداية إن الطائرة كانت تقل 151 شخصاً، يمكن تعديلها سريعاً.

 ويتم تحديث موقع نيويورك تايمز طوال 24 ساعة في اليوم، لذا فمن الممكن تغيير أي شيء في محتوى الموقع في أي وقت.

 ويضم موقع التايمز (www.NYTimes.com (ستين فرداً، ما بين صحفيين ومخرجين، على مدار 24 ساعة في اليوم، ويركز فريق العمل على وضع ملفات وسائط متعددة أصلية وعلى تشجيع القراء على المشاركة، وعرض الأخبار بطرق ذكية.

 والموقع يتوسل دائماً أشخاصاً يتمتعون بالكفاءة في استخدام برامج فوتوشوب ولغة الإنترنت والتدوين، وفهم أنظمة النشر على الإنترنت. والخبرة في مجال إنتاج الوسائط المتعددة، ومن بينها استخدام أدوات المونتاج السمعي والفيديو. أما في مواقع الوسائط المتعددة الأكثر تخصصاً، فالمطلوب هو توفر معرفة واسعة ببرنامج فلاش، وفهماً لكيفية إدخال قواعد البيانات في عروض الوسائط المتعددة.

 الصحفي الإلكتروني:

واستمراراً لما سبق ذكره، لكي يكون الصحافي إلكترونياً Online Editor ومتوافقاً مع التطورات الجديدة لابد أن يكتسب مفهوم ومهارات التحرير غير الكتابي، أي أن يراعي التغيرات التي دخلت على صياغة القصص الخبرية، مثل اختيار الوصلات الفائقة المناسبة لخدمة النص، والقدرة على التعامل مع الوسائط الأخرى كالفيديو والتصوير الرقمي والصوت. فالمخرج الصحافي تحول إلى ما يشبه المخرج السينمائي، لأن النص الصحافي نفسه اليوم بات أقرب إلى النص السينمائي تتداخل فيه مواد عديدة صوتيه وبصرية.

 والنصوص الفائقة والوسائط المتعددة التي تزخر بها الصحافة الإلكترونية هي التي تؤكد مفهوم ثراء الوسيلة الإعلامية Media richness الذي بسببه يزداد قراء الصحف الإلكترونية بمقدار الضعف تقريباً عن قراء الصحف الورقية. والوسائط المتعددة، والنصوص الفائقة يفضلها القارىء بمقدار 75% ، ولذلك لابد أن يلم الصحافي الإلكتروني بمهاراتها.

 ولقد أضحى الهاتف "الذكي" اليوم دليلاً بيناً على ما تسخره التقنية من خدمات جديدة تضمن السرعة والتحديث المتواصل للمعلومات. فيسجل الصحفي (الذي من الممكن أن يكون اليوم أي أحد من الناس) المعلومات على هاتفه، ثم يرسلها، في كل دقيقة أو دقيقتين، عن طريق الاتصال بالإنترنت لاسلكيا. وهذا ما سهّل على الكثيرين أن يصبحوا مراسلين في بث حي مباشر عبر المدونات التي  أضحت تعرف بـ "لايف بلوغز" live Blogs.

 ونحن نتذكر أشهر سبق صحفي خلال العام 2006م، إذْ كان تصوير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لحظة إعدامه بكاميرا الهاتف الجوال. وهناك أحداث عديدة وكوارث صورت بنفس الطريقة، ككارثة انهيارات "الدويقة" في شرق القاهرة، وغرق العبارة المصرية في البحر الأحمر، وبعض جرائم التعذيب والرشوة. وهذه التقنية هي التي فضحت صانعها ومبدعها في سجن أبو غريب وفي المعتقل الشهير في غوانتانامو.

 وتستخدم محطة "سي إن إن" تقنية أطلقتها في عام 2006م، تسمح لأي فرد تحميل صور أو عروض فيديو إلى موقع خاص، ومن ثم يقوم منتجو المحطة بتقويم تلك الأخبار ليعرضوا ما هو مناسب منها على المحطة نفسها أو أي موقع تابع لها. وقد نشأت هذه الفكرة بعد حدثين مهمين، هما فيضانات الـ "تسونامي" في عام 2004م، وتفجيرات لندن في عام 2005م، إذ كان من الصعب الحصول على صور ومشاهد ولقاءات من أماكن الحدث. وأسمت "سي إن إن" هذه الخدمة "آي ريبورت"  IReport، الاسم الذي يعود إلى الموقع الذي اشترته المحطة (بقيمة 750 ألف دولار أمريكي) الذي قدم هذه الخدمة لأول مرة. وهكذا فإن المحطة تجند ملايين الصحافيين بطريقة غير مباشرة، حيث يمكن لأي شخص تصوير حدث ما في مدينته، وإرساله إلى المحطة والحصول على المال لقاء ذلك. وقد حققت المحطة بذلك أكثر من سبق صحفي في أحداث معروفة ومنها على سبيل المثال:. تصوير الطالب عمر البرغوتي مشاهد من جريمة جامعة فيرجينيا تيك بهاتفه الجوال، وإرسال العرض إلى المحطة لبثه فوراً. ومن ذلك أيضاً انهيار جسر نهر ميسسيبي في مدينة مينبابوليس الأمريكية وقد بث العرض حصرياً قبل المحطات الأخرى، بالإضافة إلى بث مشاهد من احتفالات المدن العالمية في ليلة رأس السنة عبر خدمة اي بارتي I Party.

 وكان لافتاً التعاون بين قناة "سي إن إن" الإخبارية وموقع الـ "فيس بوك" لتغطية فعاليات تنصيب الرئيس الأميركي باراك أوباما.. وبعد ساعة من تنصيب أوباما، كان هناك أكثر من 139 ألف تعليق من المراقبين للتنصيب على صفحة "فيس بوك" الخاصة بــ "سي إن إن" بعد أن سجل 25 مليوناً من مستخدمي الموقع انضمامهم إلى صفحة "سي إن إن" على الموقع.

 "التكامل والاندماج":

يعترض مستقبل النشر الورقي، ولاسيما الصحافة، كثير من الذعر الذي سببه استفحال النشر الرقمي. وزاد من حدة ذلك الذعر أن أعلنت مؤسسات وشركات نشر كبرى إفلاسها في أمريكا وبريطانيا وغيرهما من الدول الصناعية المتقدمة. ولما تصادف هذا مع وقوع "الأزمة المالية" التي اجتاحت الكوكب التجأ المتفائلون إلى ذريعة الأزمة نفسها التي اقتضت انخفاض الدخل، ولاسيما من حيث تضاؤل أحجام ميزانيات "الإعلان" ما أدى إلى ما يشبه الانهيار الشامل. أما "المتشائمون" فقد اعتبروا الإفلاس إنما حدث نتيجة مصيرية لانصراف الأجيال الجديدة عن النشر الورقي في ظل احتدام الخيارات الرقمية، ويعتبر هؤلاء أن ما حدث هو الإرهاص بـ "موت" محقق للنشر الورقي برمته خلال سنوات قليلة جداً، وقد بدأ بالصحافة، وهو لن يتوقف إلا بعد أن يأتي على كل الوسائل التقليدية للمعرفة.

 ومن رحم هذين الاتجاهين برز اتجاه ثالث انصهر في أتون التجربة ذاتها، وهو يؤمن بأن طبيعة "التطور" في خيارات نقل المعرفة، تاريخياً، لا تستوجب أن تنهض وسيلة على "أنقاض" أخرى، بل إنها قد تقترح صيغاً من الاندماج، أو الهيكلة الجديدة، ما يضمن إعادة توزيع المهمات والأدوار، كما حدث تاريخياً أيضاً، على مستوى صراع الوسائل السابقة، التي نعتبرها اليوم تقليدية (إذاعة. تليفزيون. صحافة ورقية).

 والسؤال هو: هل ما يحدث الآن هو "صراع" حياة وموت أم أنه مجرد تزاحم طبيعي باتجاه المقدمة في ما يشبه التبادل في المواقع لا أكثر؟!

 إن ما ذكر أعلاه يشكل لبنة يمكن البناء عليها لتحقيق مشروع التكامل والاندماج بين الوسائل ولهذا فإن الوضع لم يعد وضعاً ينذر بالتهديد الحقيقي للصحف الورقية التي تعاني أصلاً من الركود وتراجع حجم الإعلان، ولاسيما في أوروبا والولايات المتحدة، لعل هناك من يرى أن الأوضاع الجديدة قد تقدم فرصاً لإعادة هيكلة الوسائل بطريقة تضمن البقاء والاستمرار للجميع، فليس من اللازم أو الشرط لنمو الجديد أن يقوم على حطام القديم، بل على العكس فقد يكون في التكامل ما يفتح آفاقاً جديدة لأوضاع اقتصادية تمكن الجميع من الاستمرار وتقديم الخدمة المتوخاه بمستويات عالية من الاحترافية. وبهذا فإن من مكاسب الأوضاع الجديدة توسيع نشاطات المؤسسات الإعلامية عبر الإنترنت والجوال والوصول إلى شريحة واسعة من القراء خصوصاً من الأجيال الشابة. أي أن هذا المقترح لا يفترض الخروج النهائي للصحافة الورقية من حلبة السباق. ونحن نقول أنه من قبل أن نعلن وفاة الصحافة الورقية دعونا ننظر في مقترح آخر قادم من الدنمارك، وهو مقترح يستند إلى تجربة قائمة بالفعل، وهو لم يتخل عن الوسيلة الورقية بل يدعو إلى التكامل بينها ووسائل الإعلام الجديدة، إذْ يرى بير لينغباي، المدير الإداري ورئيس تحرير المجموعة الإعلامية "نوردجيسكي" في الدانمرك. أن الكلمة المفتاح اليوم لإنقاذ الصحافة الورقية، ما تزال هي "المثابرة"، ولقد أضيفت إليها أربع كلمات أخرى التكامل (أو الاندماج)، والتحول، والتنويع، والتوسع. وانطلاقاً من تجربة شركته، قال لينغباي: "قبل سبع سنوات، قالت شركتنا وداعاً للأساليب التقليدية في العمل، وللأحادية في الترويج للوسائل. التكنولوجيا كانت في يوم من الأيام عائقاً بين الصحف والتلفزيون والراديو، أما اليوم فإن إنتاج هذه الوسائل مرتكز على اندماج هذه الوسائل". إن في تطوير التجارب التي قادتها بعض الصحف التي مرّ ذكرها مثل نيويورك تايمز ما يدفع إلى التفكير الجاد في مثل هذا النوع من التكامل من بين الورقي والإليكتروني.

 وبحسب لينغباري، فإن الفصل بين وسائل الإعلام كان بسبب الحدود التي تفرضها الجغرافيا، أما اليوم فإن لا حدود تمنع التداخل. وذكر انه في عام 2001م، اعتمدت شركته خطة جديدة لشكل مكتب التحرير، وجمعت كل محرري الوسائل، وجعلتهم يعملون معاً كأنهم يعملون لوسيلة إعلام واحدة: "فجأة أصبح بإمكانك أن تشاهد محررينا في الصحف على شاشات التلفزيون، وتعلم الصحافيون انه على الرغم من الاختلاف بين وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، إلا أنها جميعها تؤدي عملاً إخبارياً"

د. فهد العرابي الحارثي
(باحث سعودي)

 ملاحظة:

كاتب هذه الورقة مدين في المعلومات الواردة فيها إلى مقالات وتقارير متعددة منها ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط في التواريخ الآتية: 19يونيو 2008م، 2أكتوبر2008م، 30أكتوبر2008م، 26 نوفمبر 2008م، 19فبراير 2009م.

التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
http://www.asbar.com/upload/images
1
808