وثمة حقائق أساسية يتعين الاستناد إليها بخصوص أية مناقشة محددة في هذا الصدد؛ في مقدمتها التأكيد علي ما يلي: (7)
- أن الدراسات المستقبلية تهتم وعلي نحو أساسي بغاية محددة، تكمن في توفير إطار زمنى طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم . ومن ثم العمل ، انطلاقاً من أسس علمية وموضوعية واضحة؛ وهو أمر تمليه سرعة التغير وتزايد التعقد وتنامى " اللايقينى " فى كل ما يحيط بنا ، وذلك فضلاً عن اعتبارات أساسية متصلة بالتنمية، والحاجة إلي إنجاز الخطط المتعلقة بتلك الأخيرة، في أقل وقت ممكن، وبدقة متزايدة، تضاعف من مردودها الإيجابي المتوقع علي قطاعات المجتمع كافة.
- أن الطابع المستقبلي الذي تضفيه الدراسات المستقبلية على أنماط تفكيرنا في مختلف القضايا التي تشكل محوراً لاهتمامنا، إنما هو علامة مهمة من علامات النضج العقلى والمعرفي. ذلك أن ما نتخذه من قرارات متتابعة ، وما نقوم به من تصرفات متزامنة فى الحاضر سوف يؤثر بصورة أو بأخرى علي مستقبل أوضاعنا الحياتية، وكذا أوضاع الأجيال اللاحقة علينا. وهنا تساعدنا الدراسات المستقبلية فى استطلاع هذه النتائج والتداعيات على المسارات المستقبلية ، مع إمكانية التفكير في المسارات البديلة المحتملة. ومن ثم فإن الهدف الرئيس للدراسات المستقبلية لا يتعلق بعملية الإنباء بالمستقبل كهدف محوري في حد ذاته؛ فكل ما تقدمه الدراسات المستقبلية من مقولات حول المستقبل إنما هى مقولات شرطية واحتمالية ؛ وكونها كذلك يجعلها غير قطعية الحدوث، وإنما هي تصورات معينة، يُنتظر أن تتحقق في ضوء توافر شواهد منطقية معينة، تُرجح من فرص وقوعها.
- أن الدراسات المستقبلية باتت من الأولويات، بمعني أنها صارت ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها ؛ حيث لم تعد مجالاً من مجالات السجالات الفكرية أو الرفاهية الثقافية أو التسلية الذهنية فى الدول المتقدمة وحدها . بل إنها باتت ضرورية للدول كافة، على اختلاف حظوظها من من التقدم أو التخلف ومن الغنى أو الفقر. كما أنها وإن كانت تتطلب بالضرورة قدراً من الخيال والقدرة الذاتية على التصور المسبق لما هو غير موجود أو غير معروف الآن ، إلا أن أنشطتها - وعلي حد قول " إبراهيم عيسوي" - "تختلف نوعياً عن الأنشطة التى تقع فى حقل الخيال العلمى أو فى ميدان التنجيم والرجم بالغيب . فما يطلق عليه اليوم الدراسات المستقبلية إنما يتمثل - على العموم - فى دراسات جادة تقوم على مناهج بحث وأدوات درس وفحص مقننة أو شبه مقننة ، وتحظى بقدر عال من الاحترام فى الأوساط العلمية ، وتنهض بها معاهد ومراكز بحثية وجمعيات علمية ذات سمعة راقية". ومثل هذا التصور هو ما يجب أن يتم الانتباه إليه، لاسيما من زاوية التعامل معه بدقة منهجية وانفتاح عقلي ورؤية سليمة، لا تتعارض والثوابت، وفي الوقت نفسه لا تهمل المستجدات.
لكن ما تقدم لا يجب أن يحيلنا بالضرورة إلي نتيجة حتمية مؤداها، النظر إلي الدراسات المستقبلية بوصفها كل متماسك لا ينطوي علي أي تمايزات بينية دقيقة؛ خاصة وأن وجود مثل هذه التمايزات يمكننا من الوقوف علي عدة أنماط رئيسة في هذا السياق؛ استناداً إلي ثنائية العلمي الموضوعي وغير العلمي الفطري. ففي ضوء المقابلة بين كلا الاتجاهين المتضمنين في إطار هذه الثنائية نستطيع القول بالخلط البين بين عدة أنماط متشابكة بصدد الحديث عن الدراسات المستقبلية منها: النمط الحدسي Intuitive ، ويعتمد بالأساس على الرؤية الحدسية والخبرة الذاتية للفرد ، كما يفتقر إلى القواعد العلمية الأكاديمية والبيانات الإحصائية الواضحة في التعاطي مع مسار الأحداث التي يتوقعها الباحث، ولا يجزم بتأكيدها، والحدس هنا بمثابة تقدير يراه الباحث ملائماً لبعض المسارات المستقبلية وحالاتها. والنمط الاستهدافي أو المعياري Normative ، ويعد تطويراً للنمط الحدسي من بعد ما يتجاوز القدرة الذاتية الفطرية، كما يستفيد - في الوقت ذاته - من شتى العلوم الحديثة والمقررات المنهجية في العلوم النظرية والتطبيقية والرياضيات والحاسبات ، في الميدان الذي يخوض فيه . كذلك يبرز النمط الاستطلاعي Exploratory، والذي يستند إلي محاولة استشراف المستقبل المحتمل أو الممكن تحقيقه، من خلال معطيات علمية، وبيانات توضح العلاقة ما بين العناصر المبحوثة. وأخيراً نمط المعطيات العكسية للاتساقات الكلية Feedback Models ، والذي يعمد إلي التركيز علي مجمل المتغيرات، في إطار موحد، يجمع بين النمطَين السابقَين، في شكل تغذية عكسية Feedback، تعتمد على التفاعل المتبادل بينهما؛ فلا يهمل الماضي الظاهر، ولا يتجاهل الأسباب الموضوعية، التي سوف تفرض نفسها، لتغيير مسارات المستقبل، كما يجمع بين البحوث الاستطلاعية، التي تستند إلى البيانات والحقائق الموضوعية، والبحوث المعيارية، التي تُوْلي أهمية خاصة للقدرات الإبداعية الفردية، لا سيما فيما يتصل بمهارات التخيل والاستبصار. ويمثل هذا النمط خطوة متقدمة، في المسار المنهجي للبحوث المستقبلية المعاصرة (8). وبالرغم من التنوع الجلي في الأنماط سالفة الذكر، وغيرها مما لم يتسع المجال للتطرق إليه؛ إلا أنها تفضي في مجملها إلي التأكيد علي خطورة عدم الوعي بها جميعاً، وكذلك عدم دقة النتائج التي قد يتم الانتهاء إليها، إذا لم يكن الباحث علي إلمام ودراية كافية بمفاهيمه المتضمنة وأطرها المحددة، استناداً إلي حقيقة جوهرية لا تقبل الشك، مفادها أن المقدمات الملتبسة، والتي تفتقر إلي الدقة الكافية، لا يُنتظر أن تؤدي بالطبع إلي نتائج قاطعة الدلالة يمكن الارتكان إليها.
وبتسليط بؤرة الاهتمام علي العالم العربي، وتحديداً فيما يتعلق بالتفسيرات الراهنة، والمواقف المتبلورة بخصوص الدراسات المستقبلية؛ نستطيع أن نلحظ بعض الإشكالات الرئيسة في هذا الخصوص؛ والتي يجب التعامل معها بموضوعية وحيادية تامة، خاصة وأنها تبقي مثاراً للنقاش والجدل، كما تنطوي علي مساحات فضفاضة لطرح الآراء في سياق من السجال الفكري البناء.
ومما يفرض علينا ذلك، ما تبين سلفاً من اعتبارات تقطع بأهمية الدراسات المستقبلية ، بوصفها ميداناً مغايراً لم يعد ملائماً تجاهله، أو غض الطرف عن دوره المنتظر، في سياق عمليات التغيير السريع في المجتمعات والحياة المعاصرة، والحاجة لوضع خطط مستقبلية تعتمد على أسس علمية لمجابهة هذا التغيير؛ وهي المسألة التي تفسر سعي العديد من الدول والمؤسسات علي الصعيد العالمي في الغرب ، لتطوير قدراتها بشأن معرفة مستقبل الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجالات التقنية بشكل علمي مدروس. فضلاً عن أن مثل هذه الرؤية تساعد دون شك علي تجاوز بعض وجهات النظر السلبية تجاه المستقبل، والمتضمنة في إطار ثقافة عامة، مؤداها جملة بسيطة التعبير قوية الدلالة والتأثير، يجيب بها رجل الشارع في مجتمعاتنا العربية إذا ما سألته عن تصوراته بخصوص المستقبل؛ حيث أننا غالبا ما نجده مندفعاً إلي القول بتعبير دارج.. "يا عمي أنت بتكلمنى عن بكرة (غدا)، خلينا في النهارده (اليوم)" . وتحليل مغزى هذه العبارة، أو غيرها من عبارات تؤدي ذات الغرض، يلخص جوهر القضية التي نحن بصدد مناقشتها الآن ؛ ذلك أنها تصب في اتجاه استمرارية النظر إلي ما تحت قدمينا، في ظل تجاهل تام لحقيقة أننا إذا لم ننطلق بالآليات الملائمة لصنع مستقبلنا بأنفسنا، فإن آخرون في مناطق متقدمة من العالم، سوف يُناط بهم - في الغالب- توجيه دفة فكرنا وثقافتنا وحتى جوهر اهتماماتنا . وربما يتساءل البعض وما الغضاضة في ذلك، وما الفارق بين أن نصنع نحن مستقبلنا بأيدينا أو يصنعه لنا الآخرون؟، وربما تكون الإجابة الملائمة - بكل بساطة - أننا في الحالة الأولي نصنع مستقبلنا بأيدينا، كما نرى، ووفقاً لما نحب، واتساقاً مع ما يناسب تطلعاتنا واحتياجاتنا نحن كجيل حالي، واحتياجات أبناءنا كجيل لاحق، وعلي النقيض فإننا في الحالة الثانية فإن ثمة آخر يصنع لنا هذا المستقبل، في ضوء رؤية ومصلحة تختلف عن رؤيتنا ومصلحتنا دون شك (9).
أيضاً فإن ثمة نظرة تشاؤمية قد يلجأ إليها العامة، وبعض المثقفين، وربما يمتد الأمر - أحياناً- ليشمل جانباً من الباحثين المتخصصين في العالم العربي؛ سواء للتقليل من أهمية الدراسات المستقبلية؛ بإدعاء عدم حاجتنا إليها، أو بالتلويح بكونها لا تمثل أولوية حقيقية ، أو حتى بتثبيط الهمم، والقول بأن عالمنا العربي لا يزال غير مؤهل بعد لمثل هذا النوع من الدراسات، أو أنه حتى ولو انخرطنا فيها فإننا لا نملك طموح الإنجاز، أو ثقافة التغيير، أو مقومات النهوض.
والواقع الذي لا فكاك منه أن مثل هذه النزعات التشاؤمية لا تلقي بالاً للتطور التاريخي للأحداث؛ فبنظرة فاحصة نكتشف أن الدراسات المستقبلية في الغرب نفسه، لم تؤت ثمارها المرجوة بين عشية وضحاها؛ حيث أنها قد تأكد دورها ، وترسخت أهميتها، وتصاعدت قيمتها، في المنظومة الغربية ، عبر مراحل عدة متتالية تتابع نموها وبفواصل زمنية متلاحقة، إلي أن تبلورت علي النحو الذي تبدو عليه حالياً. ففي البداية ظهر نوع من الدراسات المستقبلية المتأثر بالسحر والأساطير الخرافية والعالم الماورائي والظواهر غير الطبيعية، وفي مرحلة لاحقة ظهرت الدراسات العلمية المعتمدة علي الخيال العلمي، وهو خيال يستند إلى حقائق كونية أو تاريخية غالباً ما يقدم على شكل روايات، وأفضت تفاعلات عديدة في هذا الإطار، إلي بروز الدراسات العلمية المتخصصة في معرفة المستقبل؛ وهي دراسات تناولت ، علي سبيل المثال لا الحصر موضوعات متعلقة بالقوة القادمة، والانفجار السكاني، والبيئة ...الخ، وسرعان ما اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل قضايا أخري: اجتماعية واقتصادية وتنموية عديدة؛ في سياق محاولة لرسم سيناريوهات مستقبلية معتمدة علي أساليب علمية ومنهجيات إحصائية متنوعة (10).
كما ينبغي التأكيد علي أن الحديث عن ضرورة أن تحظي الدراسات المستقبلية بنصيب من الاهتمام في العالم العربي لا يعني بحال من الأحوال، كونها يجب أن تكون أمراً خارجاً عن السياق المجتمعي. ذلك أننا إذا ما أردنا أن تؤتي الدراسات المستقبلية ثمارها المرجوة، فلابد من تأسيسها، في ضوء قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، والمستمدة بدورها - وفي جانب كبير- من العقيدة الإسلامية؛ كإطار مرجعي جوهري؛ حتى لا تبقي تطلعاتنا وأهدافنا الطموحة ومعالجتنا الراهنة أسيرة - سواء بوعي أو دون وعي - لأنساق معرفية ومناهج غربية، ليست بالضرورة صالحة لظروفنا المجتمعية ، أو متسقة وخصوصيتنا الثقافية. وعليه فإننا ننحاز طواعية لذلك التوجه ، الذي يتمسك في مضمونه العام بما يسمى بالفروض الضمنية في الدراسات المستقبلية، والتي تأخذ في حسبانها تلك الاعتبارات ، فكما يذكر بعض الباحثين من أمثال " ضياء الدين زاهر" في معرض الحديث عن القيم في الدراسات المستقبلية أن المستقبل مرتبط بقيمنا ، وبخياراتنا ، وبـمبادئنا الأساسية وبالتالي لا يمكن أن تقوم دراسات مستقبلية خاليةً من القيم ، والتي تسيطر عليها وتوجهها بشكل غير مباشر. ويتسق هذا الطرح مع ما يذهب إليه "محمد أمزيان" من أنه و"على مستوى التأسيس المنهجي فإن التغيرات والرؤى التي تقدمها النظريات الوضعية ليست مجرد بيانات مبتورة, وأفكار محايدة, بل تأتي منسجمة مع ذلك النسق المنهجي والفكري الذي تستند إليه وتأتي معبرة عن تصوراته ومنطلقاته"(11).
خاتمة:
يقتضي التحليل الموضوعي القول بأن عالمنا العربي في حاجة بالغة لتوجيه مزيد من العناية والاهتمام بمثل هذه النوعية من الدراسات؛ لاسيما وأن أغلب التفسيرات تشترك في كون الدراسات المستقبلية أو علم المستقبل ، تعد "بمثابة آلية من آليات الحاضر تساعد في فهم المستقبل من أجل أخذ الحيطة والاستعداد لما هو قادم ، بمعنى آخر هي دراسة لحال المجتمع من خلال حاضره لأجل أوضاع مستقبل أكثر أمناً وأكثر تحرراً من مشاكله الآنية الحاضرة"، هذا من ناحية (12). ومن ناحية أخري فإن الباحث أو العالم المتخصص في علم المستقبل يعيش بذهنه في ذلك المستقبل، وينظر إلى الغد، على أنه تاريخ يمكن قراءة اتجاهاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية الرئيسية. كذلك يتمتع الباحث أو العالم المستقبلي بقدرة فائقة على الإحاطة الشاملة بالأوضاع السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه، وفي فرع تخصصه المعرفي الدقيق وتحليل هذه المعطيات في ضوء الاتجاهات العالمية، حتى يمكنه إعداد الأذهان للمتغيرات والمستجدات المتوقعة، ووضع الخطط الملائمة للتعامل معها على المديين القريب والبعيد، مع الاستناد إلى دراسات ميدانية دقيقة، وعدم الركون إلى الظن والتخمين، إلا في الحدود التي تسمح له بها المعلومات المؤكدة اليقينية (13). والتى لا تقبل الشك، وعندما تقتضي الضرورة الواقعية ذلك.
|
د. إبراهيم إسماعيل عبده
(أكاديمي وباحث مصري)
|
الهوامش
(1) أحمد أبو زيد: الحاجة إلى استشراف المستقبل،2009، http://www.balagh.com
(2) غازي الصوراني: الوضع العربي الراهن وآفاق المستقبل،27 يناير 2007، http://www.doroob.com
(3) إبراهيم العيسوى: الدراسات المستقبلية ومشروع مصر 2020، منشورات مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة،http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1
(4) صلاح الدين الحسين: مدخل إسهامي نظري حول... علم المستقبل، 6/12/1426هـ،http://www.chihab.net
(5) الموسوعة الحرة (وكيبيديا): عالم مستقبليات (الدراسات المستقبلية العربية : اتجاهات وملامح أولية)، 2009،http://ar.wikipedia.org
(6) المصدر السابق.
(7) إبراهيم العيسوى: مصدر سابق.
(8) زهير الأسدي: نحو دراسات مستقبلية إسلامية: بحث في علوم المستقبل ، 4 حزيران 2009 ، http://www.kitabat.com
(9) محمد جمال عرفة: "ما لم نصنع مستقبلنا بأنفسنا فسيصنعه لنا غيرنا!" ، 10 يونيو 2008م، http://www.islamonline.net
(10) عبد الله بن محمد السهلي: المنطلقات الفكرية لمنهج الدراسات المستقبلية في الإسلام: نحو مساهمة إسلامية حضارية في توجيه الدراسات المستقبلية في المنظومة الغربية، 25 مايو 2009م، http://www.wasatyea.org
(11) المصدر السابق.
(12) صلاح الدين الحسين: مدخل إسهامي نظري حول...علم المستقبل، مصدر سابق.
(13) أحمد أبو زيد: الحاجة إلى استشراف المستقبل،2009، http://www.balagh.com