قضية الشهر
مايو / 2009

لماذا الرأي الواحد؟! وخرافة الفلسفة

د.خالد بن عمر الرديعان (أكاديمي سعودي)
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:

مقدمة:

يبدو ان من أسباب التطرف الديني والتعصب للرأي الواحد لدى البعض انصرافهم عن دراسة العلوم الأخرى؛ كالعلوم الاجتماعية والفلسفة والأدب خوفا من الوقوع في المحظور!! وباستثناء علم التاريخ فأن كثيرا ممن يتخصصون بالعلوم الشرعية يزدرون العلوم العقلية بل يعتقدون ان دراستها مضيعة للوقت وربما مفسدة للعقول؛ كعلم الاجتماع والانثروبولوجيا وعلم النفس والأدب الحديث ومدارسه النقدية بل وحتى اللغات الأجنبية وآدابها؛ والدليل على ذلك ان بعض الجامعات الدينية لا تدرس بعض التخصصات العلمية المفيدة كالطب والهندسة واللغات الحديثة وعلم الأحياء والجينات والفيزياء وغيرها من العلوم الأخرى التي تعاظمت أهميتها في العقود الأخيرة. ويزعم البعض ان من يتخصص بهذه العلوم وخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية سيصاب حتما بلوثة فكرية وانه ربما أصبح ليبراليا أو علمانيا، ولاسيما ان مفهومي الليبرالية والعلمانية ملتبسان جدا بل ويحملان مدلولات سلبية لدى السواد الأعظم من أفراد مجتمعنا بما في ذلك طلاب وطالبات الجامعات ؛ فالليبرالية حسب الفهم الدارج لها -حتى بين أوساط بعض المتعلمين- لا تعدو ان تكون "دعوة للتغريب " و"غزو فكري" بل ان البعض يربط الليبرالية كمفهوم سياسي واجتماعي واقتصادي بالإباحية والتحلل من القيم؛ وهو الطرح الذي نجده في بعض الأدبيات التي يتم ترويجها من خلال ثقافة الكاسيت الذي يتم سماعه على نطاق واسع مما يشير إلى مشكلة أخرى تتعلق بالانصراف عن الكتاب كمصدر أساسي للمعلومة والاقتصار على ما يمكن تسميته "بثقافة المشافهة". إما العلمانية فأنها تعني وحسب الفهم الدارج فصل الدين عن الحياة وإنها قد تعني الكفر. وطبقا لذلك فأن كل "ليبرالي أو علماني هو بالضرورة مشروع داعية للتغريب بل ومشروع كافر". وتصبح وصمة "اللبرلة" و"العلمنة" جاهزة لالصاقها بمعظم المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية وذلك عندما تصدر عن البعض منهم أراء أو كتابات تحاول تشخيص مشكلات الواقع والمجتمع دون مواربة، أو عندما يصدر عنهم آراء وبحوث ربما صادمت في مضامينها "العرف الدارج" وليس النصوص الدينية. هذه الصورة السلبية التي يتم إلصاقها بالمتخصصين ببعض العلوم التي لا تدخل تحت دائرة الشريعة الإسلامية جعلتها تقف على طرف نقيض من العلوم الشرعية بل وتناصبها العداء لأن الأولى جاءت من مصدر غربي كما يزعم البعض. وليس بدعا من القول ان موقف كهذا ينم عن نزعة تطرف واضحة تجاه العلوم الأخرى.

سبب العداء لبعض العلوم:

الفلسفة بصفتها علماً تطرح ومنذ القدم معضلة الإنسان وفهمه للكون وما حوله ولماذا هو وليس غيره. وهي تطرح كذلك قضية وجود الإنسان وموته ووظيفته ومصيره وهي أسئلة عميقة جدا لا يجيب عنها العلم مهما تعددت أدواته ومناهجه. ويناصب بعض المتخصصين في العلوم الشرعية العداء للفلسفة لأنها هرطقة فكرية؛ فالدين هو ما يقدم إجابات شافية لجميع ماذكر وان الفلسفة تصرف أنظار الناس عن الدين الحق!! ومع التسليم بثوابت الدين إلا إنه يجدر التذكير ان الفلسفة والمنطق كطريقة للتفكير المحض لابد ان تقود في نهاية المطاف إلى الأيمان العميق، فهناك أمثلة كثيرة لفلاسفة كبار برزوا في تاريخنا الإسلامي لم تعرف عنهم الهرطقة والإلحاد ومنهم ابن رشد والأمام الغزالي والفارابي وغيرهم كثير، إلا ان ما يدور في أذهان بعض المتخصصين في العلوم الشرعية يقوم على فكرة ان الفلسفة لابد ان تكون مضادة للدين بل وتقود للإلحاد، ويبنون رأيهم على الموقف من المعتزلة وبعض المتكلمين الذين شطح بعضهم في مسائل يراها المتخصص في العلم الشرعي من المسلمات التي لا يجوز مناقشتها. لهذه الأسباب وعبر التاريخ الطويل تم تحريم دراسة الفلسفة وغيرها من العلوم المفيدة.

نشير بهذا الخصوص إلى ان علم الجغرافيا وهو أحد العلوم الاجتماعية الذي تغلب عليه النزعة الأمبيريقية (العلمية الصرفة) والذي أبدع فيه المسلمون أيما إبداع لم يحظ بقبول طلاب العلم الشرعي في بلادنا إلا بعد مرور وقت طويل لأنه كان ضمن قائمة العلوم المحرمة كعلمي الفلك والفلسفة. وسبب التحريم يعود إلى ان الجغرافيا تدرس هيئة الأرض كجزء من النظام الكوني الأمر الذي يقود إلى دراسة حركتها وجاذبيتها وكرويتها ودورانها الذي "لم يثبت لنا" إلا منذ أربعة عقود!! نحن لا نزال نتذكر انه كان هناك جدل واسع حول دوران الأرض وان هذا الجدل لم يحسم إلا في نهاية الستينات الميلادية من القرن العشرين بعد صدور فتاوى تؤكد على كروية الأرض ودورانها وان الإنسان يستطيع الوصول للقمر الذي أنكر البعض الصعود إليه لأن ما جرى لا يعدو ان يكون حيلة سينمائية من حيل استديوهات هوليوود !!

إما علم الانثروبولوجيا الحديث فأنه يوصف بأنه وليد الحركة الاستعمارية، وانه نشأ بسبب حاجة الإدارات الاستعمارية لمعرفة ثقافة الشعوب وسكان بعض البلدان الأفريقية والآسيوية قبل استعمارها ومن ثم تصبح الحاجة ماسة إلى المتخصصين في الانثروبولوجيا ممن يذهبون إلى بعض المناطق لدراسة ثقافة الشعوب كما كان يفعل معظم المستشرقين الذين يوصف بعضهم بعدم النزاهة وإنهم "جواسيس". كما ان الأنثروبولوجيا وهو من العلوم الاجتماعية الأخرى لا يزال مرفوضا لدى بعض الأوساط لأنه وحسب الفهم الدارج يروج للمسألة الداروينية (نسبة إلى تشارلز دارون صاحب كتاب أصل الأنواع) أو ما يسمى بنظرية النشوء والارتقاء Evolution Theory التي تحاول البرهنة على ان الإنسان والقرد تحدروا من أصل مشترك ولكنهما وبسبب عوامل البيئة والتكيف عبر الأزمان انفصلا وأخذ كل منهما خط تطوري خاص به؛ فالإنسان وطبقا لهذه النظرية مر بعدة مراحل تطورية؛ فهناك الإنسان القردي الجنوبي الذي تحدر من الجد المشترك للإنسان والقرد، ثم إنسان بكين وجاوة الذي ابتعد كثيرا عن القرد، ثم إنسان نياندرتال الذي ظهر بخصائص جديدة أضفت عليه مزيدا من الإنسانية، وأخيرا ما يسمى بمرحلة الإنسان العاقل Homo Sapiens التي لم تظهر إلا منذ نصف مليون سنة حسب ما تشير معظم كتب الانثروبولوجيا الفيزيقية. وحقيقة فأن هذه النظرية يتم نقدها وبشكل مستمر وذلك في عقر دارها أي في الغرب رغم كثرة من يؤيدونها، وهي لا تعدو ان تكون فرضية غير قابلة للإثبات لأنه لم يتم العثور على ما يسمى بالحلقة المفقودة، ومن جهة أخرى لأن قصة خلق الإنسان وردت في جميع الكتب السماوية. وبالنسبة لنا كمسلمين فأن هذه النظرية لا تشكل أي تهديد لعقول طلابنا - كما يزعم البعض- فقصة خلق البشر واضحة عندنا ووردت في القرآن الكريم بشكل مفصل غير قابل للجدل، ولكننا كمتخصصين في العلوم الاجتماعية نطرح نظرية التطور لتلاميذنا من باب العلم بالشيء من جهة ومن جهة أخرى فأننا نطرحها من موقف نقدي صرف. وقد نجد ما يشبه ذلك في التاريخ الإسلامي حيث تذكر لنا كتب التاريخ ان أحد الأئمة الكبار قام بتحفيظ أبنه النجيب عشرة آلاف حديث، وعندما تأكد من حفظه لها أخبره أنها أحاديث موضوعة حتى لا يستشهد بها مستقبلا.

إما علم النفس فأنه هو الآخر مذموم لأنه قد يقود إلى الوسوسة من جهة ومن جهة أخرى لأنه يحمل مغالطات كبيرة صدرت من علماء نفس كبار حسب الفهم الدارج. ومن ذلك نظرية التحليل النفسي عند سيجموند فرويد الذي كان يعيد كل سلوك فردي إلى الدافع الجنسي ناهيك عن قصة أوديب وعقدة الكترا التي تحدث عنهما بإسهاب. إما التنويم المغناطيسي والعلاج به للدخول إلى أعماق اللاشعور وكشف بعض مسببات السلوك والمشكلات التي يعاني منها بعض المرضى النفسيين والأصحاء فأنه لا يزال يعد من السحر والشعوذة رغم ظهور أدلة كثيرة تؤكد ان التنويم المغناطيسي بعيد كل البعد عن الشعوذة وانه علم قائم بذاته. وهناك بالطبع فرع حديث من علم النفس يسمى الباراسايكولوجي يصفه البعض بأنه سحر صرف لأنه يتحدث عن فكرة التواصل عن بعد أو ما يسمى التلباثي وقضايا مشابهة. وينظر كثيرا من المتخصصين في العلوم الشرعية إلى هذه العلوم نظرة ارتياب وتشكك رغم ان معظمها علوم استقرائية تتجه من الحقائق الصغيرة والجزئية إلى الكليات بهدف الوصول إلى تعميمات كما هو الحال عليه في علم الاجتماع على سبيل المثال. وليت الأمر يقف عند العلوم الاجتماعية بل ان البعض يناصب العلوم التطبيقية العداء كعلم الكيمياء؛ فرغم أهميته القصوى كعلم تطبيقي فأنه لا يزال يواجه مشكلة أخرى لدى بعض المنتسبين للعلوم الشرعية وذلك بسبب موقفه من "المادة وعناصرها" فالمادة طبقا لقوانين الكيمياء لا تستحدث ولا تفنى ولكنها تتحول. ويعتقد البعض ان هذا القانون يتصادم مع الحقائق الشرعية لأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون من عدم، ومن هنا قد يواجه المتخصص بهذا العلم معضلة اذا نسي حقيقة ان القوانين والنواميس الإلهية لا تخضع دائما للقانون العلمي الذي نعرفه.

خاتمة:

توفر العلوم الدينية مادة جيدة للمتخصص فيها إلا إن الوقوع في معضلة التعصب للرأي الواحد تظل مشكلة يعاني منها كثير من المتخصصين في العلوم الشرعية. ويعتقد كاتب هذه السطور إن انفتاح العالم الشرعي على بعض العلوم الاجتماعية والعلوم الحديثة قد يكون أحد العوامل التي تخفف من حدة التعصب من خلال النظر للأمور من زواياها المختلفة وليس من زاوية واحدة فقط.

 

د. خالد عمر الرديعان
(أكاديمي سعودي)


التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
http://www.asbar.com/upload/images
1
571