مقدمة:
عرض مركز أسبار
تعتبر الجريمة الأخلاقية مثل الزنا والدعارة والبغاء والسفاح من الجرائم الخطيرة والحساسة خصوصاً في المجتمعات المحافظة كالمجتمع السعودي، وذلك بسبب مخالفتها لتعاليم الدين وما ينشأ عنها من أمراض جنسية واختلاط الأنساب أو مشكلات اجتماعية قد تهدد استقرار المجتمع وتماسكه.
وقد أخذت جرائم الزنا والبغاء في الارتفاع في السنوات الأخيرة. ولذلك جاءت دراسة العوامل الاجتماعية المؤدية إلى ارتكابها في المجتمع السعودي محاولة لفهم جانب مهم من الجوانب الاجتماعية في المجتمع السعودي. وقد ركزت الدراسة على الجرائم الأخلاقية، وهي: الزنا، والسفاح (أي زنا المحارم) والدعارة والبغاء، والخلوة غير الشرعية.
إحصاءات جرائم الزنا وما في حكمها:
يلاحظ من تتبع الإحصاءات الجنائية الصادرة من وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية ازدياد حجم ظاهرة هذه الجرائم الأخلاقية في المجتمع السعودي.
ونتيجة للتغيرات المتلاحقة التي شهدها المجتمع السعودي فإن المرأة قد تأثرت بتلك التغيرات، واتضح ذلك من خلال تزايد السلوكيات الإنحرافية التي تمارسها المرأة في الوقت الحالي منذ أكدت التقارير الإحصائية الرسمية أن حجم إجرام المرأة قد ازداد في الفترة المتغيرة بالمقارنة مع الفترة المستقرة التي عاشها المجتمع السعودي. فقد تبين أن حجم إجرام الإناث في المجتمع ارتفع من (138) امرأة حكم عليهن بالسجن في عام 1386هـ (أثناء الفترة المستقرة) إلى 2538 إمرأة حكم عليهن بالسجن في عام 1412هـ (إثناء الفترة المتغيرة) (السيف، 1426: 19). كما يلاحظ أن حجم الجرائم الأخلاقية المرتكبة من قبل النساء في ازدياد أيضاً، حيث كان هناك 1032 جريمة أخلاقية مرتكبة من قبل النساء في عام 1416هـ تضاعف هذا الرقم ووصل إلى 2460 جريمة أخلاقية في عام 1420هـ لتصل في عام 1424هـ إلى 4020 جريمة أخلاقية (الكتاب الإحصائي لوزارة الداخلية). مع الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من جرائم النساء الأخلاقية يتم تسويتها في مهدها حرصاً على السمعة والشرف والستر، أي أنها لا تصل إلى علم الجهات الرسمية ولم يتم تسجيلها وبالتالي لا تدخل ضمن الإحصاءات الرسمية. فقد تم القبض على 2448 امرأة سعودية وغير سعودية بتهمة ارتكاب جرائم أخلاقية أو السكر أو المخدرات من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عام 1420هـ في جميع أنحاء المملكة، فتم إحالة 907 حالة فقط إلى الجهات المختصة، وأما بقية النسوة فتم إنهاء أمرهن داخل المركز (الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1421هـ) كما أن 4163 امرأة سعودية وغير سعودية مرتكبة لحودث جنائية مختلفة مبلغة لأقسام الشرطة في عام 1421هـ، فتم إنهاء كثير منها داخل الأقسام (وزارة الداخلية، 1422هـ). مما يؤكد أن الجرائم المسجلة لا تمثل سوى الجرائم المضبوطة التي تم التعامل معها، مما يوجب ضرورة أخذ الجرائم المخفية بعين الاعتبار.
ومن هنا فإن الأمر يزداد خطورة حيث تشير هذه النتيجة ربما إلى بدايات لمشكلة اجتماعية وأمنية، وذلك واضح في زيادة حجم الجرائم النسوية، وبما تحمله من هدر اجتماعي واقتصادي لمصادر المجتمع وتصارع في الأدوار الاجتماعية للأنثى، وخرقاً للأعراف الاجتماعية التي تعد الأنثى من أكثر الفئات الاجتماعية امتثالاً لها (البداينة، 1997:85).
نتائج الدراسة الميدانية:
حاولت الدراسة معرفة أثر بعض العوامل الاجتماعية في ارتكاب النساء جرائم الزنا وما في حكمها وخاصة فيما يتعلق ببعض الظروف الأسرية، وتأثير جماعة الأصدقاء، وكيفية قضاء وقت الفراغ، وتدني المستوى الاقتصادي وتأثير وسائل الإعلام وطبيعة العلاقة الزوجية... وغيرها. وذلك من خلال مقابلة 70 امرأة ارتكبن جرائم أخلاقية وتكونت العينة من 52 سجينة سعودية و 18 سجينة غير سعودية. وتم التوصل إلى النتائج التالية:
أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمى من المبحوثات ينتمين إلى الفئة العمرية من (20 إلى أقل من 25) حيث بلغت نسبتهن 30%، وذوات تعليم منخفض (متوسطة أقل) بنسبة 40%، ومتزوجات بنسبة 80% وربات بيوت بنسبة 50%.
الظروف الأسرية:
أظهرت الدراسة أن غالبية المبحوثات كانت ظروفهن الأسرية تتفاوت ما بين متوسطة إلى سيئة، ووالديهن من ذوي التعليم المنخفض، كما أن الغالبية كان والديهن على قيد الحياة بنسبة (68.2%) أما نسبة من توفى كلا والديهن فكانت (31.8%)، اتضح أن (28.6%) من والدي المبحوثات لا يعيشان معاً أما بسبب الهجر أو الطلاق، كما أن العلاقة بين المبحوثات ووالديهن كانت سيئة بنسبة (25.7%)، وفيما يتعلق بعلاقة الأب بالمبحوثة أن نسبة كبيرة من المبحوثات كانت معاملة آبائهن لهن تتسم بالتدليل (31.8%)، بينما بلغت نسبة من كانت معاملة آبائهن لهن تتراوح ما بين القسوة أو الإهمال (30.3%) كما اتضح أن (13.6%) من آباء المبحوثات يفضل أحد الأخوة عليهن، واتضح أن أكثر من نصف المبحوثات يعشن في أسر مربكة أن تضم أكثر من جيل من الأبناء والأحفاد كبيرة الحجم تعدادها ستة أفراد فأكثر، كما أن (42.9%) من آباء المبحوثات متزوجين بامرأة أخرى، ومعظمهن لا يعلم أسرهن بممارستهن للجرائم وللانحرافات والسلوكيات الخاطئة مما يعكس ضعف الضبط والرقابة الأسرية على المبحوثات.
وقت الفراغ وكيفية استغلاله:
بينت الدراسة أن الغالبية العظمى (74.3%) من مرتكبات الجرائم الأخلاقية على تعدد أنواعها لديهن وقت فراغ طويل لا يستفدن منه، كما يفضلن قضاء أوقات فراغهن في ممارسة بعض الأنشطة السلبية كمشاهدة التلفاز بنسبة (60.4%) خاصة إذا علمنا أن أغلب البرامج المشاهدة غير مفيدة.
دور الرفاق:
أوضحت الدراسة أن نسبة كبيرة من المبحوثات كانت علاقتهن مع صديقاتهن جيدة وذلك بنسبة مرتفعة بلغت (58.7%)، وانخفضت نسبة من كانت علاقتها بصديقاتها سيئة لتصل إلى (1.6%) وغالبية المبحوثات كانت صداقاتهن تتفاوت ما بين الرفقة السيئة والعادية وليس هناك من لديهن رفقة جيدة أو صالحة، كما أن (12.1%) من صديقات المبحوثات سبق لهن ارتكاب بعض الانحرافات والجرائم، وأن (75%) من صديقات المبحوثات اللاتي سبق لهن دخول السجن أو مؤسسة رعاية الفتيات كانت بسبب القضايا الأخلاقية وبسبب الجرائم المركبة جرائم أخلاقية وتناول المسكرات.
وسائل الإعلام:
أظهرت الدراسة أن (65.7%) من المبحوثات يتابعن ويفضلن مشاهدة البرامج غير الجيدة كالأفلام والمشاهد الإباحية والمنوعات الغنائية والسهرات الفنية، وأكثر من نصف المبحوثات أشرن إلى تأثرهن بما يقرأنه عبر صفحات الصحف والمجلات والروايات.
طبيعة المعاملة الزواجية:
تبين أن أكثر من نصف النساء المتزوجات من عينة الدراسة قد أجبرن على الزواج بأشخاص لا يرغبن فيهم، وأن بعض المتزوجات بينهن وبين أزواجهن فارق كبير في السن، وأن (47.8%) من النساء المتزوجات لدى أزواجهن زوجات أخريات غيرهن، وتوافقهن الزواجي يتراوح ما بين المتوسط والمنخفض بنسبة (63.2%)، وأن (30.4%) يعاني أزواجهن من ضعف جنسي، ومعظم أزواج المبحوثات يتعاملون مع الخلافات والمشاكل الزوجية بأساليب سيئة ليس فيها رحمة أو حكمة، كما يعانون من ضعف في مستوى تدينهم، حيث أن (47.8%) يقصرون ويتهاونون في أداء الصلاة المفروضة وأن (17.4%) سبق لأزواجهن دخول السجن، وأن (21.7%) منهن يطلب منها زوجها ارتكاب محرم معه كممارسة الرذيلة وإقامة علاقات جنسية محرمة مع بعض أصدقائه مقابل الحصول على مال نظير ذلك أو إرغامها على السكر وتعاطي المخدرات معه أو الترويج لها والمبحوثة تقوم بذلك تجنباً لغضبه وخوفاً من تطليقها، كما أن (28.3%) سبق أن خانهن الزوج مع أخريات بل في كثير من الحالات كانت الخيانة الزوجية مع أحد محارم الزوج.
التعرض لاعتداء جنسي سابق:
ظهر أن الغالبيـة العظمى من المبحوثات اللاتي تم الاعتداء عليـهن حدث ذلك في سن المراهقة (20.1%)، كما أن (55%) من الاعتداءات كانت من قبل الأب و (10%) من قبل الأخ أي من قبل أشخاص تربطهم بالمبحوث صلة وثيقة، وأن (55%) من المبحوثات آثرن كتمان تعرضهن للاعتداءات الجنسية وفضلن عدم إطلاع أحد بما حدث لهن.
الظروف الاقتصادية:
أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمى من المبحوثات كان مستواهن الاقتصادي متدني، وأن بعض الأسر التي يعشن فيها المبحوثات ليس لديها دخل ثابت بل تعتمد على المساعدات والهبات والمعونات المادية بل أن غالبية المبحوثات لا يجدن الدخل الكافي لسد احتياجاتهن ويعانين من ضعف الحالة المادية الأمر الذي دفع بالكثير من المبحوثات وأسرهن إلى الإقامة في أماكن ضيقة وفي البيوت الشعبية وفي الأحياء الشعبية أو المتوسطة وذات المستوى الاقتصادي المنخفض، واتضح أن الخلوة غير الشرعية هي النمط الوحيد من الجرائم الأخلاقية الذي تجسد في جميع المستويات الاقتصادية على تنوعها، وقد يكون ذلك عائد لكونها أكثر أنواع الجرائم الأخلاقية ارتكاباً من قبل النساء في المجتمع السعودي.
التوصيات:
أوردت الدراسة، بعض التوصيات ومنها:
في مجال الأسرة:
- التأكيد على دور الأسرة خصوصاً رب الأسرة بزيادة الاهتمام بالإناث وتوفير متطلباتهن دون اللجوء إلى المعاملة السيئة وإرغامهن على الزواج بمن لا يردنه والضغط عليهن، الأمر الذي قد يؤدي على آثار سلبية. واعتماد الإرشاد والتوجيه في التنشئة وتعزيز الثقة بين كافة أفراد الأسرة وإتباع أساليب معاملة والدية سوية مع الأبناء لخلق شخصيات ناضجة مما ينعكس على إتباعها أساليب سوية في التعامل الزواجي.
- ضرورة توعية الأسرة بأهمية وجود التماسك العاطفي بين أفرادها وأن تسود علاقات الحب والاحترام على علاقات البغض والكراهية وعدم الركون إلى التفرقة في المعاملة، أو التعامل بهامشية مع أي من أفرادها.
- ضرورة توعية الأسرة بأهمية وجود قدر من الضبط الأسري والرقابة الأسرية على الأبناء، حيث يمكنها ذلك من اكتشاف بعض الانحرافات لدى الأبناء في مراحلها المبكرة قبل استفحالها ومن ثم حمايتهم من الوقوع في مسالك الجريمة.
- الاهتمام بتوعية الفتيات بأهمية استغلال أوقات الفراغ بما ينفعهن من خلال الاشتراك بالأندية والمراكز التي تقام فيها أنشطة متنوعة منها الثقافية والترويحية والاجتماعية.
- العمل على تبصير المرأة بخطورة الرفقة السيئة وتأثيرهن السلبي، وذلك من خلال الأسرة أو وسائل الإعلام والندوات والمحاضرات.
- ضرورة اهتمام الأسرة بالأمور الدينية وتعميق العقيدة الإسلامية في نفوس أبنائها، ومحاسبة النفس وتعميق مفهوم الرقابة الذاتية وتذكيرهم برقابة الخالق عز وجل التي لا تفارقهم وإن غفلوا عنهم.
في مجال الرعاية الاجتماعية:
-
ينبغي على مؤسسات المجتمع دعم ومساندة الأسرة من المراحل الأولية من بنائها من خلال التوسع في إنشاء مكاتب الاستشارات الأسرية التي من شأنها ان تساعد الراغبين في الزواج وتكون ضمن مهماتها المساعدة في اختيار شريك الحياة من حيث التكافؤ نسبياً من حيث المستوى التعليمي الثقافي والوسط الاجتماعي والمهني والدخل والمستوى الديني والخلقي والنضج الجسمي والعقلي وتقديم خدمات إرشادية تتعلق بأساليب المعاملة الزوجية وإدارة الأسرة وتربية الأبناء.
في مجال الإعلام:
- ضرورة اهتمام وسائل الإعلام بتوعية المشاهد العربي بخطورة ما تتضمنه بعض البرامج من أفكار هدامة وسلوكيات منافية للعقيدة الإسلامية والأخلاق.
-
زيادة الاهتمام من قبل وسائل الإعلام المختلفة في نشر التوعية المتعلقة بالجريمة والانحراف، لما لها من دور في الحد من هذه الظاهرة من خلال عمل برامج توعية وعرض القضايا ومناقشتها من قبل المختصين.
في المجال الاجتماعي والأمني:
- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في التوعية بخطورة جرائم الاعتداءات الجنسية على المحارم مثل أجهزة التربية والتعليم وأجهزة التوجيه الديني وجمعيات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، بحيث نشجع الضحايا وأسرهم على التبليغ عن تلك الجرائم ومرتكبيها.
- زيادة الاهتمام من قبل الجهات الأمنية بجرائم النساء الأخلاقية وخصوصاً النساء العائدات للإجرام من خلال عمل إحصائيات خاصة بالعائدات، ليسهل التعامل معهن من قبل الجهات القضائية.
- مراعاة اتخاذ الاحتياطات اللازمة من قبل إدارة السجون والمراكز الأمنية بعدم الاختلاط ما بين العائدات للجرائم وغيرهن من النزيلات.
- ضرورة زيادة الاهتمام من قبل الجهات المختصة والمعنية بالمرأة في متابعة أمورها ومساعدتها على القيام بواجباتها وأداء دورها في هذا المجتمع.
- الاهتمام بالوضع الاقتصادي للأسرة والمرأة من حيث دعم دخلها وتأمين مصدر دخل يتناسب مع حجم الأسرة ومتطلباتها، وإيجاد فرص عمل للذين لا يعملون من أفراد الأسرة، وتوفير فرص العمل المناسبة للمرأة لسد احتياجاتها المالية مما يقيها من الوقوع في مسالك الجريمة الأخلاقية.
- ضرورة دراسة الأحياء الشعبية التي أوضحت الدراسة أن غالبية المنحرفات يسكنون فيها، وتكثيف الدراسات والبحوث الاجتماعية والاقتصادية لمعرفة طبيعة هذه الأحياء وسكانها.
- زيادة الأقسام خاصة داخل الأجهزة الأمنية وتزويدها بمختصين ذوي كفاءة عالية وقدرة على التعامل مع قضايا المرأة من خلال متابعتها ودراستها دراسة اجتماعية بحتة، للوقوف على حقيقة الظروف التي أدت بها إلى ارتكاب الجرائم بصفة عامة ومنها القضايا الأخلاقية.
- العمل على وضع ضوابط عند مأذوني الأنكحة في المحاكم الشرعية تحدد عمر الفتاة المناسب للزواج والتأكد من حرية اختيار الفتاة وعدم إكراهها على الزواج.
- تشجيع المؤسسات الحكومية والخاصة بتخصيص نسبة من فرص العمل لديها للنساء اللواتي ارتكبن جرائم وأنهين مدة محكوميتهن لمساعدتهن في الانخراط في المجتمع والابتعاد عن السلوك الإجرامي.
- زيادة الدعم والتشجيع المقدم سواء كان معنوياً أو مادياً وتذليل كافة الصعوبات للباحثين وأصحاب الاختصاص للقيام بالمزيد من البحوث العلمية والميدانية بالتنسيق مع المؤسسات صاحبة الاختصاص لإجراء أبحاث ودراسات مماثلة تتناول المرأة والجريمة بجوانبها المختلفة كلاً على حده.
- إجراء الدراسات والبحوث التي تتناول ظاهرة الاعتداءات الجنسية خاصة على المحارم لخطورة وجود مثل هذه الظاهرة في مجتمع إسلامي محافظ للوقوف على أسباب هذه الظاهرة ومن ثم القيام بالإجراءات الوقائية للحد من حدوثها.
| |
هبة بنت راشد الراشد
(باحثة)
عرض مركز أسبار
|
تعليق على القضية
وماذا عن الذئاب.. والكلاب؟
غالباً ما تعالج الجرائم الأخلاقية مثل الزنا والبغاء والسفاح من منطلق أنها جرائم نسائية بامتياز، أو أن المسؤولية في ارتكابها هي مسؤولية النساء وحدهن، فيسلط الاهتمام في البحوث – مثلاً – على النساء اللاتي يقعن في المحظور: سماتهن، حالتهن الاجتماعية والمعيشية، مستواهن التعليمي إلخ.. وقليل جداً ما يلتفت الباحثون إلى "الرجل" في مثل هذه الدراسات، الرجل الذي تكون مسؤوليته في هذه الجرائم أكثر فداحة من المرأة في واقع الأمر، بل لعل المرأة هي "الضحية" التي يقدمها الرجل قرباناً لشهواته وأمراضه وعقده النفسية. وأودّ أن أسأل فيما يتعلق بحالات السفاح مثلاً: ما هي مسؤولية مراهقة أو فتاة يافعة تعرضت للاغتصاب أو الاستدراج من أبيها أو أخيها والعياذ بالله! ومن هو المريض في هذه الحالة؟ وكيف ينبغي أن تتوجه دراساتنا؟! هل تتوجه إلى الضحية وظروفها الاجتماعية والنفسية والتربوية؟ وكأنها هي مَنْ اقتحمت على الأب المجنون خلوته الداعرة، وكأنها أيضاً هي من هتكت حجاب "الأخ" المسكين وهي من استباحت عفته.
وحتى فيما يتعلق بغير السفاح من أنواع الزنا الأخرى ما حجم مسؤولية المرأة في هذا؟ وما حجم مسؤولية الرجل؟! وبشكل أكثر وضوحاً، وللمرة الثانية، من هي الضحية في هذه الحالة؟! إننا لو بحثنا، في أي مكان في الدنيا، عمن يمتلك بين يديه الأغلب الأعم من خيوط اللعبة لما وجدنا أمامنا سوى "الرجل"، ابتداء من تدشين بيوت البغاء وارتيادها، وإنتهاء بمطاردة الدعارة المشردة، إن صح التعبير، والتعامل معها حيثما وجدت. فالرجل دائماً هو الذي يخطط، وهو الذي يموّل، وهو الذي يتربص، وهو الذي، في كل الحالات، يستميل ويقدم الإغراءات، وأحياناً قد يستعمل العنف والتسلط والتهديد. فمن هو الذي يستحق أن تكثف الجهود البحثية لمتابعة انحرافه: الرجل أم المرأة؟ استطيع أن أؤكد أن كثيراً من النساء يُستدرَجن إلى هذا العفن دون إرادتهن.. وقد يجبرن بتهديد الحاجة أو تحت ضغط القوة إلى الوقوع في هذا المستنقع، ثم لا يجدن من الرجال "الذئاب" إلاّ مزيداً من الاستغلال، ومزيداً من إهالة التراب على وجوههن وعيونهن.. نعم! ينبغي أن ندرس حالات النساء الذين يتورطن في هذا النوع من الجرائم.. ولكن ينبغي أكثر وأكثر أن ندرس حالات الرجال "الذئاب" من القوّادين والدياييث والزُّناة وناشري الرذيلة! ينبغي أن ندرس حالة الأب الملعون الذي ينحطّ إلى ذلك المستوى السحيق من الرذيلة فيطأ ابنته وفلذة كبده.. ينبغي أن ندرس حالة الأخ النذل الجبان الذي لا مروءة ولا دين له فيجد نفسه منساقاً لإنتهاك عرض أخته.. ينبغي أن نلتفت إلى الجانب الأكثر قتامة من الصورة وهو بكل تأكيد الجانب الذي يقف فيه الرجل... ينبغي أن نتجه نحو المرضى الحقيقيين.. ونحو أصحاب اليد الطولى في نشر مثل هذه الرذائل التي تتفشى في مجتمعاتنا.. ولسنا في حاجة إلى الذهاب إلى السجون للبحث عن هؤلاء.. إنهم موجودون معنا في كل الأماكن التي نرتادها، في الداخل والخارج، بل إن بعضهم لا يتردد في المباهاة بما يفعل. سنجدهم في أسواقنا.. ومجالسنا.. ومنتدياتنا العامة، وسنجدهم في الكباريهات وعلب الليل ثملين مخمورين فاقدين للعقل والرشد ومحاطين بضحاياهم اللاتي هن في واقع الحال الفريسة السهلة لطابور طويل من "الذئاب" والكلاب.. ابتداء من القوّاد ومن هم وراء القوّاد، وإنتهاء بأظافر الزبون الخسيس الذي سيهرش كل حياء في فريسته.
إن في تكريس البحوث، حول هذه الجرائم، في محيط النساء فقط ما قد يخلق في الوجدان العام، بالتراكم والتتابع، انحيازاً شديداً لهذه المشكلات أو الجرائم نحو النساء وكأنها من اختراعهن.. أو كأنهن مصدر المخاطر والمفاسد كلها ولهذا فإن اهتمام البحث ينصب عليهن.. وهذا أمر لا يخلوا فقط من مبدأ العدل بل إنه، قبل ذلك وبعده، لا يستند إلى منطق علمي أو حتى عرفي.. والناس لابد أنهم يعرفون دور المرأة في مشكلات كهذه.
ويكفي المرأة أنها دائماً نصب أعين مجتمعاتنا المجحفة الظالمة، وهي الهدف المستمر لسلخ سوءاته عليها، وتعليق أوبائه في عنقها، فهي مثلاً عندما تشترك مع الرجل في جريمة من تلك الجرائم ويظهر أمرها للناس تكون قد انتهت حياتها فيما يشبه الانتحار المعنوي الكامل، بل هي العار الذي يجب غسله وقد تتعرض للموت المادي فعلاً، في الوقت الذي يخرج فيه الرجل للناس من جريمته مختالاً متباهياً، فهو دونجوان زمانه، وهو قاهر قلوب العذارى، وهو سيد العشق وسلطانه. وحتى القوادين من الرجال تراهم يتهادون بكل خيلاء في المحافل والمناسبات والصوالين والمنتديات، وهم غالباً في معية المتنفذين، ويأخذون أماكنهم أحياناً قبل فطاحل الرجال.
أنني أشكر الأخت هبة بنت راشد الراشد... على هذا البحث الجيد وهو يستحق الجهد الذي بذلته وفقها الله.
نمر بن غوث العقيلي