عصرنا العربي: تغذية الوهم.. والتغيير المخاتل
الذي يقرأ اليوم عن تكنولوجيا النانو يمكنه أن يتصور حجم التطور المذهل الذي حدث
وسيحدث في مجالات وحقول وتطبيقات "التقنية".. تقنية اليوم.. وتقنية المستقبل،
ويمكنه أن يطلق خياله الرحب في قياس الانفجار الكبير، الذي مازال ينمو، في مجال
تطور العلم.
وتقنية النانو ليست سوى واحدة من أعاجيب العصر الجديد، فهناك أعاجيب أخرى نقرأ
ونسمع عنها، ولا نستطيع أن نزعم، نحن العرب، أن علاقتنا بها يمكن أن تتجاوز هذا
المستوى البسيط المتواضع من الصلة. وما ذلك إلاّ لأننا غير مهتمين بما يجري في
عالمنا اليوم من إنجازات علمية مبهرة، وقد اكتفينا بموقف المتفرج، أو المنتظر لما
سينجم عنه هذا السباق العلمي المحموم من نتائج، وقد نستطيع أن نجد مكاناً قصياً على
أطراف المائدة الحافلة، بعد أن يكون قد أنفض الجمع، وبعد أن يكون قد ملأ خزائنه
بالغنائم الكبرى. ولاشك أن جامعاتنا ومراكز البحث عندنا ما فتئت تجدد إخلاصها
لحالات التخاذل التي تعيشها منذ سنين، فشبابنا أبعد ما يكونون عما يجري فوق هذا
الكوكب من اقتناص لفرص القوة، ومن تنافس لا يبرد أو يتثاءب في مجالات الإنجازات
التقنية والعلمية، وعلماؤنا الذين يغادروننا إلى الغرب لا يعودون إلينا، ولماذا
يعودون إلينا؟ فهم لا يجدون عندنا إلا ما يعيق قدراتهم: فلا ميزانيات ولا تجهيزات
ولا عقليات أو بيئات إنتاج تقدر أهمية ما يفعلون.(1)
تقنية القرن.. بامتياز
ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر النانو تكنولوجي، إحدى بواقع زماننا هذا، إذْ ويؤكد
المختصون أن من سيحقق تقدماً في تقنيات النانو (التقنيات المتناهية في الصغر)
سيتحكم في الاقتصاد العالمي في هذا القرن الواحد والعشرين، وذلك بما تقدمه هذه
التقنية من فرصٍ هائلة للإبداع والثراء والتنوع والفعالية والجودة في مجالات
الصناعة والزراعة والطب، وحتى على مستوى الاستخدامات الأمنية والعسكرية المختلفة.
فهي تقنية القرن الجديد بامتياز، وهناك سباق محموم بين الدول المتقدمة، في مجال
التمويلات الهائلة من أجل تطويرها، ومن أجل الاستحواذ على مفاتيح أسرارها.
وتكنولوجيا النانو تُعنى بتطوير وإنتاج أدوات وأجهزة متناهية في الصغر، عن طريق
التحكم في ترتيب الذرات والجزيئات داخل المادة.(2)
ولتبسيط الفكرة حول "النانو" فهو يشير إلى واحد من مليار من المتر مثلاً. ويصف
توماس كيني Thomas Kenny من جامعة ستانفورد، حجم النانو بأمثلة كثيرة، منها أنه
بنفس عرض الحمض النووي DNA منقوص الأوكسجين، أو بحجم عشر ذرات هيروجين، أو أنه لا
يتجاوز نمو ظفر الإنسان في ثانية واحدة، أو ارتفاع قطرة ماء، بعد بسطها كلياً على
سطح مساحته متر مربع واحد. والنانو يساوي أخيراً واحد على عشرة من سماكة الطبقة
الملونة على النظارات الشمسية.
وكلمة النانو مشتقة من كلمة نانوس الإغريقية، وتعني القزم. ويتعامل العلماء
والمهندسون مع المادة في هذا المقياس على مستوى دقيق جداً، أي على مستوى الذرات
والجزيئيات النانومترية، ليس لبناء أجهزة نانومترية فحسب، بل لخلق مواد جديدة، ذات
ترتيبات وتجمعات وخصائص مبتكرة، وغير موجودة طبيعياً، من شأنها أن تفتح آفاقاً
جديدة في العلوم والتكنولوجيا، وتؤدي إلى تطبيقات حياتية مختلفة. بالإضافة إلى
إمكانية تحريك الذرات والجزيئيات بدقة لإحداث تفاعلات كيماوية، ما يؤدي إلى تصنيع
أو تعديل بعض الجزيئيات الإحيائية المهمة.(3)
ويشار إلى أن تكنولوجيا النانو قد تنبأ بها، منذ بدايات النصف الثاني من القرن
الماضي، العلماء وكتّاب الخيال العلمي. ومن أولئك عالم الفيزياء الأمريكي ريتشارد
فينمان Richard Feynman الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء العام 1965م. أما المؤسس
الفعلي لعلم النانو تكنولوجي فهو عالم الفيزياء الأمريكي أريك دريكسلر Eric Drexler
مؤسس معهد استشراف النانو تكنولوجي Institute Foresight في كاليفورنيا، إذْ نشر عام
1986م، كتابه الشهير "محركات التكوين أو الخلق" Engines of Creation ، الذي يعد من
الكتب الرائدة في مجال النانو تكنولوجي، فقد بين فيه أفكاره ورؤيته لمستقبل واعد،
تكون فيه آلات صغيرة، بحجم الجزيئات، قادرة على صنع آلات أخرى، وبالتالي التناسخ
ذاتياً. كما بين فيه مخاطر هذه التكنولوجيا متصوراً كابوساً من الآلات الدقيقة التي
يخرج استنساخها عن نطاق السيطرة، منتجه خليطاً يستهلك كل شيء. وتعد النانو تكنولوجي
الآن من مجالات البحث النشطة جداً التي يقوم بدراستها العديد من العلماء في كل
أنحاء العالم في مختبرات حكومية وتجارية.(4)
وملابس ذكية.. أيضاً
وينبني هذا العلم على التعاطي بالجزيئات كما ذكرنا أعلاه، وفق علوم هي مزيج من
الكيمياء والفيزياء والهندسة(5) ؛ ويتكشّف المستقبل عن أن الهدف هو اندماج
تكنولوجيا المعلومات والبيولوجيا وعلوم الطبيعة وعلوم الفضاء مع هندسة التحكم
التلقائي والاتصالات، لتخلق مزيجاً علمياً تكنولوجياً يصعب، إن لم يستحل، التكهن
بنتائجه. وكان تساؤل العلماء في البداية حول إمكانية تصميم أجهزة متطورة يمكنها
التعامل مع تلك القياسات الدقيقة في مجال النانو تكنولوجي، وقد نجح هؤلاء في بناء
ميكروسكوبات ضخمة تستخدم لتصوير الذرات والجزيئات، كما تستخدم لتحريكها من مواضعها،
من أجل بناء تركيبات جديدة للمادة، أو من أجل إنتاج مواد جديدة غير معروفة.
فتكنولوجيا النانو تركز على تعديل البناء الذري أو الجزئي للمادة، لبناء تراكيب
جديدة وبتكلفة اقتصادية منخفضة.(6)
ففي مجال المباني، ستخرج إلى الوجود البنايات الضخمة التي تستطيع إرسال إشارات
لاسلكية عندما تحتاج إلى صيانة، أو أنها قد تستطيع صيانة وإصلاح نفسها. ويمكن أن
تدخل هذه التقنية مواد البناء نفسها، مثل الطلاء والأسمنت، وذلك لتقويتها، وللتعقيم
وإزالة الروائح، ومقاومة التشابك، ومنع نفاذ الملوثات الخارجية التي تطلقها
الطائرات إلى داخل المنازل. كما يمكن التحكم في المناخ الداخلي للأبنية، فيما يعرف
بالنوافذ الذكية.
وفي مجال إنتاج الطلاءات خصوصاً، فقد طورت إحدى الشركات نوعاً من الطلاء يعتمد على
حبيبات النانو، ويتميز بكفاءته في مقاومة التصدع، والحفاظ على الألوان، ومقاومته
للغبار والمياه. وهناك طلاءات أخرى ساهمت حبيبات النانو في تخفيض تكلفتها، مثل
الطلاءات المانعة للانعكاسات التي تستخدم في بعض المنتجات، مثل العدسات. كما تستخدم
حبيبات النانو في إنتاج طلاءات أخرى واقية من أشعة الشمس، أو تحول دون تكون الضباب
على الأسطح.(7)
ستقدم تقنية النانو فرصاً كبيرة للأسواق فيما يتصل بمواد بناء ذات جودة وأداء
عاليين يفوقان بكثير المنتجات المتوفرة حالياً.
ويمكن تطوير خلايا شمسية باستخدام الطاقة المستخدمة في الإضاءة، وهذا سيشكل إنجازاً
كبيراً في مجال توفير الطاقة، لأن أكثر من 25% من الطاقة الكهربائية المتوفرة في
العالم تستخدم في الإضاءة. كما أنها، وفق التقنية الجديدة، ستكون زهيدة الثمن،
وصديقة للبيئة.(8)
ومن المتوقع أن يكون لتقنية النانو دور مهم جداً في معالجة المياه، ولاسيما أن 80%
من الأمراض المعروفة في الوقت الراهن تنتقل عن طريق المياه. ونظراً لصغر حجم
الجراثيم المسببة للأمراض، فإن أفضل وسيلة لمعالجتها هي تلك التي تعتمد على تقنية
النانو، وقد قام بعض الباحثين بالعمل على صنع فرشاه لتنظيف الأسنان تكون أسنانها
أكثر نحولاً من شعر الإنسان بألف مرة. فمن شأن فرشاة بهذا الحجم التصدي للملوثات
العالقة في الماء.(9) ويستخدم ثاني أكسيد التيتانيوم النانوي في صناعة معاجين
الأسنان، وفي صناعة مواد التجميل، خاصة كريمات التبييض، وفي صناعة مستحضرات الوقاية
من أشعة الشمس، لأن له خاصية محفزة للضوء.(10)
أما ثيابنا فستأخذ بيانات عن صحتنا، وتنبهنا لعوامل بيئية مضرة، وستنظف نفسها من
الأوساخ والروائح، دون أي مساعدة، وستقوم بتدفئة أو تبريد الجسم، حسب درجة الحرارة
الخارجية. فقد توصل العلماء في جامعة هونج كونج إلى ابتكار ملابس ذكية تغسل نفسها
بنفسها. ويتم ذلك عن طريق تغليف الأقمشة القطنية بجسيمات صغيرة نانوية من مادة ثاني
أكسيد التيتانيوم، التي تعمل كمحفزات لتحطيم الجزيئات الكربونية، حيث تحتاج فقط إلى
أشعة الشمس لتنشيط هذا التفاعل المؤدي إلى النظافة. ويمكن تصنيع هذه الأقمشة
وتحويلها إلى ملابس ذاتية التنظيف، تزيل الأوساخ والملوثات البيئية والجراثيم. كما
يمكن تحويل تلك الأقمشة إلى ثياب عسكرية تحمي الجندي من القنابل. وتعد أسواق الملابس من
أكبر الأسواق التي ستستفيد من تقنية النانو، كما ان هذه التقنية من أقرب التقنيات
المتوقعة وصولها إلى الأسواق.(11)
وتوظف تقنية النانو لتطوير أنظمة آلية من شأنها الحد بشكل كبير من الحوادث، فضلاً
عن استعمالها في تطوير وسائل نقل فعالة باستخدام مواد ذات أداء أفضل.(12)
حروب الجراثيم
ومما قرأنا أن إحدى أهم المواد التي أنتجتها تكنولوجيا النانو "أنبوب الكربون" وهو
عبارة عن مادة خفيفة جداً ومرنة، ويمكن بواسطتها إنتاج كوابل تستخدم لــ"مصعد
فضائي" ليصل إلى المحطة الفضائية على ارتفاع 36 ألف كيلومتر من الأرض، وتتيح لرواد
الفضاء أن يواصلوا منها رحلاتهم إلى كواكب أخرى.
وعلى ذكر الفضاء فهناك تطبيقات أخرى لتقنية النانو تستخدم لتطوير مواد قوية وخفيفة
الوزن ومتعددة الاستعمالات لتعزيز الأداء في تشغيل الطائرات والمراكب الفضائية وخفض
تكاليفها. كما تستخدم لإنتاج إلكترونيات أكثر سرعة من شأنها أن تمكن مركبات هوائية،
آلية وموجهة ذاتياً دون أي وجود بشري، من الاستطلاع والمراقبة.(13)
ويمكن للنانو أن يحضر جيشاً من الجراثيم، الآلات المتناهية في الصغر، يوجهها مثلاً
إلى وزارة الدفاع الأمريكية لتصل من ممرات الهواء، التي لا يمكن حراستها، إلى جهاز
الكومبيوتر، الذي يسيطر على كل إدارة العمليات العسكرية، لتدميره أو للسيطرة عليه.
وستتمكن تقنية النانو، في مجال الطب، من صناعة مركبات صغيرة جداً، تدخل عروقنا،
لتسافر فيها، وتُجري تشخيصها لكل ما تراه، ثم بعد ذلك ترسل تقاريرها إلى أجهزة
كومبيوتر في مكان ما. ومن أهم خصائص تقنية النانو، وربما أكثرها نفعاً للتطبيقات
المتعلقة بالطب الأحيائي، القدرة على تصغير تقنيات أجهزة التشخيص إلى أحجام بالغة
الصغر ما يمكّن من ابتلاع قرص صغير يحتوي على جهاز لقياس ضغط الدم.(14)
لقد فتح هذا التطور باباً كبيراً في إمكانية استخدام النانو في وسائل التشخيص
الأخرى مثل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، والتصوير بالموجات فوق الصوتية،
والأشعة المقطعية، وأجهزة الطب النووي، ما يرفع من كفايتها وقدرتها على اكتشاف
الأمراض بشكل مبكر، ويعطي الطبيب معلومات واضحة عن المرض، ومكانه، أو النسيج
المتمزق، وحجمه، ومدى انتشاره.(15)
وتساهم التقنيات المعتمدة على النانو في تحليل العينات المأخوذة من المريض في وقت
قصير وبحجم أقل، ما يمكن الطبيب من اتخاذ قراره في الوقت المناسب. وستوفر تقنيات
التصوير المعتمدة على النانو الفرصة لمتابعة تطور المرض (Monitoring)، ومراحل
علاجه، كما هو الحال في علاج مرض السرطان بأنواعه المختلفة. ويعد مرض السرطان من
الأمراض الأكثر انتشاراً في أنحاء العالم، فقد تم اكتشاف أكثر من عشرة ملايين إصابة
جديدة، وقد توفي أكثر من ستة ملايين من المصابين حول العالم في عام 2002م، وفي كثير
من الحالات يكون اكتشاف السرطان في وقت متأخر، ما يقلل من فرص نجاح علاجه، ولهذا
فإن التطور النانوي في مجال تشخيص مرض السرطان سيساهم في اكتشافه مبكراً وإمكانية
استئصاله وعلاجه قبل أن يستفحل.(16)
وتعطي تقنيات النانو الفرصة للقضاء على الأمراض دون اللجوء إلى استخدام العقاقير
"فمثلاً يمكن استخدام أشعة الليزر لتسخين الخلايا الملتصقة بحبيبات النانو فقط، ما
يؤدي إلى إتلافها، وبالتالي إتلاف الخلايا السرطانية دون غيرها. كما أن استخدام
الطريقة نفسها في القضاء على فيروس الإيدز يعد أمراً ممكناً. وقد قام باحثون بمركز
أبحاث السرطان في جامعة ميتشيغن في الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء تجارب على
فئران مصابة بسرطان في الدماغ، وذلك بحقنها بدواء ومادة متباينة داخل جسيمات
متناهية الصغر، بحيث يتم التحكم في وصل الدواء، وتتبع حركته، عن طريق جهاز التصوير
بالرنين المغناطيسي (MRI) ، ومن ثم التأكد من أن الدواء يؤثر فعلاً على الخلايا
السرطانية دون السليمة. وقد جمع الباحثون، في هذا الإنجاز الطبي، بين التشخيص
والعلاج في الوقت ذاته. فقد تم تحديد مكان الورم، ومتابعة تقلصه واضمحاله، ثم جرى
علاجه، إذ أظهرت النتائج الأولية أن حيوانات التجارب استجابات للعلاج.
وقد توصل باحثون في جامعة نبراسكا في الولايات المتحدة الأمريكية إلى نتائج شبيهة،
وأوضح باحثون من الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا أنه بمثل هذه التقنيات توصلوا
إلى اكتشاف عقد لمفاوية صغيرة الحجم في مرضى سرطان البروستات لم يكن بالإمكان
اكتشافها في الماضي.(17)
وسيمكن صناعة غرفة عمليات كاملة في كبسولة صغيرة، يتم وضعها داخل جسم المريض، لتقوم
بتنفيذ برنامج العملية، حسب حالة المريض.
ومن التطبيقات الطبية المهمة، نجاح أحد العلماء في وضع حبيبات النانو المغناطيسية
في الأذن لإعادة قدرة السمع فيها. ويعد هذا إنجازاً مبهراً، لفائدته العظيمة في
مساعدة الكثيرين ممن يعانون من ضعف السمع.(18)
وقد أثمر البحث في مجالات النانو تكنولوجي عن سلسلة من المنتجات الجديدة؛ مثل
ريبورت صغير يمكنه أن يتجول في شرايين الجسم لتنظيفه من بقايا الدهنيات التي تؤدي
إلى النوبات القلبية.(19)
أما في مجال الزراعة فتستخدم تقنية النانو في تعزيز الإنتاجية، للإطلاق البطيء،
ولضخ الجرعات الفعالة من الماء والمواد المخصبة للزرع. كما تستخدم لمراقبة جودة
التربة وسلامة المزروعات ولإزالة ملوثات التربة.
أسلحة ما فوق الواقع:
وفي مجال الاستخدامات العسكرية يمكن صناعة أسلحة لا يمكن مشاهدتها، وهي قادرة على
مهاجمة أهدافها بدقة دون أن تستطيع الأجهزة الدفاعية إعاقتها. بل يمكن صناعة بلايين
الأسلحة الفتاكة التي تتحرك وتعمل ذاتياً، ولا تتطلب وجود جنود لتوجيهها، بل من
الممكن برمجتها لتكون انتقائية في حروبها. وقد تستخدم في الاغتيالات لأنه من الصعب
اكتشافها قبل التنفيذ، كما أنه من الصعب تتبعها ومعرفة مصدرها.(20)
الآتي المذهل!
وفي مجال الحاسبات، سيبلغ هذا التوجه، المعروف بالانكماش حتى درجة التلاشي مع
إمكانية مضاعفات قدراته وسهولة استعماله، إمكانية ابتكار رقاقات الكومبيوتر التي
تخضع بدورها لقانون مور Moor’s Law. الذي ينصّ على أن الرقاقات هذه ستتضاعف كل
ثمانية أشهر، العمر المتعارف عليه في أحجام أجيالها، ثم تنخفض كلفتها مع انخفاض
حجمها. وهكذا تبقى الأجيال تتلاشى وتنقرض إلى ما يفوق التصور.(21)
وبما أن الحجم له اعتبار في عالم الحاسب الآلي والإلكترونيات، فيذكر أن الحاسب
الخارق اليوم، الموجود في مراكز الأبحاث والتطوير، أو في الجامعات الكبيرة، سيكون
مجرّد "ساعة يد" في المستقبل القريب.
وعلى مستوى أجهزة الذاكرة الرقمية، فبفضل حبيبات النانو يتوقع الباحثون أنه
بالإمكان تخزين الإشارة الرقمية الواحدة في كل حبيبة نانوية واحدة. "وإن تم ذلك
فإنه من الممكن مضاعفة سعة الذاكرة الحاليـة إلى مئة ضعف. ويمكن بهذا استيعاب مليوني
كتاب في مساحة لا تتعدى السنتيمترين المكعبين". (22)
ونستطرد في خوارق الحاسبات القادمة، إذ يذكر بيل جيتس، أن الكمبيوترات ستصبح "ذكية"
جداً، إذ ستنعقد لها السيطرة "وتتخلص من أي حاجة إلى العقل البشري. فمنذ عقود عديدة
يحاول العلماء الذين يدرسون الذكاء الاصطناعي تطوير كمبيوتر يتمتع بسمات الفهم
والسليقة الإنسانية. وقد أقترح الان تورنج في العام 1950م ما أصبح يطلق عليه
"اختبار تورنج". فإذا ما تسنى لك أن تجري محادثة مع كمبيوتر وإنسان آخر، كلاهما
بعيد عن مجال رؤيتك، ولم تكن متأكداً أيهما الكومبيوتر وأيهما الإنسان، فسيكون قد
أصبح لديك آلية ذكية".(23)
ولقد سعى مصممو الجيل الخامس في الحاسب إلى تطوير حاسب "ذكي" قادر على التحليل
والتركيب، وعلى الاستنتاج المنطقي، وحل المسائل، وبرهنة النظريات، وفهم النصوص،
وتأليف المقالات.(24)
وأفادت تقارير علمية عن جهود بحثية يقوم بها علماء بريطانيون في علم الأعصاب، تسمح
بالولوج في شخصية الإنسان، وتساعد علي قراءة نواياه العدوانية، قبل أن يقدم على أي
فعل. ويعتمد ذلك على تطوير تقنيات مسح عالي الدقة لنشاط الدماغ، يمكن من خلاله توقع
تصرفات الإنسان قبل حدوثها. وفي الولايات المتحدة يسير هذا المشروع بشكل آخر تحت
اسم PHI ويؤمل أن يكون نظاماً جاهزاً للاستخدام في غضون سنوات قليلة، وتعتزم وزارة
الأمن الداخلي الأمريكية المساهمة في إنجاحه، بغرض قراءة النوايا الإرهابية عند
المشتبه بهم قبل أن يرتكبوا جرائمهم. والسلطات الأمريكية تحث العلماء وشركات
التقنية على تكثيف جهود البحث والتطوير من أجل تسخير التقنيات الحديثة لمساعدة رجال
الأمن في تمييز (الإرهابي المحتمل) وتعتزم السلطات الأمريكية توزيع هذه التقنيات في
عدد من الموانئ والمطارات بحلول عام 2012م وقد قيل بأن مثل هذه المشروعات تثير
حفيظة وقلق المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات حماية الخصوصية الفردية.(25)
وهكذا فإنه من الممكن توظيف تقنية النانو في مجال التجسس، إذ من الممكن أن تزرع في
الدماغ أجهزة متناهية الصغر تقرأ أفكار الناس وتبعث بها لمركز المعلومات، ليتم
تحليلها والتعاطي معها. وقد تزود هذه الأجهزة بقدرات تمكنها من شل قدرات من يفكر
خلافاً لما يهواها من يملك التقنية. ومن الممكن تصنيع 50 بليون جهاز في وقت قصير
وبتكلفة لا يمكن اعتبارها عائقاً. ثم تُبثَُ في الهواء ليستنشقها الناس، وتصل إلى
الجهاز الدموي ومن ثم إلى الدماغ. والمواد النانوية صغيرة لدرجة أنه يمكنها اختراق
أغشية الدماغ والوصول إلى خلايا المخ والتحكم فيها، أو تعطيلها.(26)
اندماج الإنسان مع التقنية: عقل المستقبل!
ويشير جيروم جلين في كتابه "عقل المستقبل: الذكاء الصناعي" Future Mind: Artificial
Intelligence الصادر في العام 1989م، إلى أن المجتمعات الصناعية تعتقد اليوم بأن
البشر سوف يندمجون مع التقنية، وأن التقنية ستندمج بالتالي مع الوعي، ما يؤدي إلى
ظهور سايبورغ Syborg ، أي الإنسان فائق القدرات، أو الذي جرى تحسين قدراته عن طريق
شرائح الكومبيوتر المبثوثة في جسده.(27) ويرى جلين بأنه سوف يتم صناعة أدوات وأجهزة
نانوية تستخدم كملحقات مكملة للجسم البشري، سواء لاستبدال أعضاء أو في أغراض
علاجية، أو لمضاعفة قدرات البشر الجسدية والعقلية. مثل زرع رقائق عصبية لتكون أدوات
وصل الكترونية مع الخلايا العصبية للإنسان، وتتصل بكومبيوتر، وبالتالي ستختفي مظاهر
الاختلاف والتمايز بين البشر والآلات، ويبدأ معها عصر التقنية الواعية، أو "عصر ما
بعد المعلوماتية".
وفي العام 2000م، تمكن فريق من علماء الهندسة البيولوجية في جامعة كاليفورنيا
بيركلي الأمريكية، برئاسة العالم بوريس روبينسكي، من إنتاج أول شريحة كومبيوترية
حية، عن طريق دمج شريحة كومبيوترية وخلية بشرية حية، ليضعوا بذلك أول لبنة في بناء
رقائق الكترونية جديدة، من الممكن أن تحدث ثورة غير مسبوقة في مجال عمليات زرع
أجهزة الكترونية لتدعيم قدرات الجسم البشري. كما أن هذه الرقائق والدوائر
الإلكترونية، سوف تساعد على زرع أعصاب وأجزاء من المخ وانسجه وأعضاء جسدية أخرى، ما
سيسهم في تصحيح الكثير من المتاعب الصحية الموروثة، وكذلك تجاوز الحدود التي تفرضها
الطبيعة على إمكانات الإنسان الجسدية.
وفي عام 2001م، تمكن العالمان الألمانيان غونتر زيك وبيتر فرومهيز، في معهد ماكس
بلانك للكيمياء الحيوية في ميونيخ، من دمج حوالي 20 خلية عصبية من دماغ حيوان
الحلزون الرخوي snail مع رقيقة الكترونية من السيليكون، لإنتاج أول شريحة عصبية
الكترونية حية، وقد نجحت الرقاقة الإلكترونية في التخاطب مباشرة مع الأعصاب، وكأنها
عصب حي. وقد نجح هذان العالمان أيضاً في دمج أنسجة من المخ الحي، استخلصت من فأرة
مختبرية، مع رقيقة الكترونية تماثل الرقائق الالكترونية لجهاز الكومبيوتر. ومن شأن
مثل هذه الإنجازات أن تساعد في إنتاج أجهزة بيونية (بيولوجية الكترونية حية) فائقة
الدقة والطاقة. كما تساعد في صناعة أجهزة الكومبيوتر البيولوجية المنافسة لذكاء
الإنسان. بالإضافة إلى صناعة آلات ذكية هي حصيلة الدمج بين دماغ الإنسان
والكمبيوتر، مثل صنع رقائق عصبية لدعم ذكاء البشر، والتوصل لأدوات للتخاطب المباشر
بين الإنسان والأجهزة وشبكة الإنترنت.
يقول العالم الأمريكي راي كيرزويل، الخبير البارز في الذكاء الصناعي، إن الذكاء غير
البيولوجي سيكون شائعاً بحلول عام 2019م، حيث سيتم حقن مجسات نانوية في أوردة
وشرايين الإنسان، وزراعة رقائق الكترونية دقيقة في بعض أعضائه، يمكن أن تؤدي وظائف
المخ، وسيتمكن الإنسان وقتها من تقاسم الذكريات والمشاعر والأحاسيس والخبرات
الداخلية، من خلال بثها إلكترونياً إلى الآخرين، إذْ سيمكن إعادة هندسة الدماغ
البشري، من خلال برامج كومبيوترية، قد لا تتجاوز تكلفتـها أكثر من ألف دولار، وذلك
لزيادة القدرات الذهنيـة بما يعادل ألف مرة مما هي عليه الآن. (28)
ويعمل بعض العلماء، في معاهد بالو آلتو، على محاكاة الجهاز العصبي في الجنس البشري.
وما يتوقعون إنجازه في هذه المختبرات هو تكوين بدائل للأعصاب في الجسم البشري، لا
تستخدم في جسم الإنسان فحسب، بل أيضاً في أجهزة الكمبيوتر والرجال الآليين. وإذا
استطاع علماء تكنولوجيا علم الأحياء تحقيق نتائج في هذا المجال، فقد نرى استبدالاً
لبعض أعصابنا بأسلاك عضوية يمكن أن تعيش داخل جهازنا الجسدي.(29)
ومن المحتمل على المدى البعيد صناعة أعضاء صناعية عصبية معقدة للتغلب على
الإضطرابات العصبية عند الإنسان، ويذكر أنه تجري حالياً أبحاث وتجارب، بهدف استبدال
شرائح سليكونية الكترونية رقيقة بالأجزاء المصابة في الخلايا العصبية لدماغ
الإنسان. وتقوم تلك الشرائح ببعض وظائف الذاكرة، ما سيمكن الشخص المريض من استعادة
الذاكرة. فتلك الرقائق الالكترونية تقتضي تعزيز القدرات الدماغية أو العصبية
للإنسان، من خلال تعويض الخلايا العصبية المتضررة في الدماغ، عن طريق تلقي النبضات
الإلكترونية ومعالجتها، ومن ثم الاتصال بجوانب حية في الدماغ. فالعالم الأمريكي
ثيودور بيرجر، أستاذ هندسة الطب الحيوي ومدير مركز الهندسة العصبية في جامعة جنوب
كاليفورنيا، يقوم بمجموعة من الأبحاث، بهدف تطوير بعض لغات البرمجة في شرائح
الكومبيوتر السليكونية لتؤدي بعض أعمال المراكز العصبية عند الإنسان. كما يقوم
العالم جون دونوهيو، رئيس قسم العلوم العصبية بجامعة براون الأمريكية، ومؤسس شركة
سايبر كاينتكس التي تعمل في مجال التقنية الحيوية في ماساشوستس، بزرع رقيقة
الكترونية دقيقة جداً تبلغ مساحتها أربعة مليمترات، سميت باسم "بوابة المخ" Brain
Gate، أسفل عظام الجمجمة، في أدمغة خمسة أشخاص مصابين بالشلل الرباعي، وذلك لتحفيز
أمخاخهم لتوليد الأفكار، وإرسال الأوامر منها إلى الكومبيوتر لتنفيذها. ويأمل
العلماء أن تساعد هذه الرقائق تدريجياً الأفراد المصابين بأضرار في الحبل الشوكي،
أو بالسكتة الدماغية، على توفير حياة أفضل لهم، وتنفيذ بعض الأعمال، مثل فتح أو غلق
الأضواء، أو تشغيل الأجهزة عبر أجهزة التحكم عن بعد (الريموت كنترول). ويعد عالم
الأعصاب الأمريكي فيليب كينيدي، من شركة نيورال سنغنال في أتلنتا بولاية جورجيا
الأمريكية، أول باحث ينجز أول تواصل بين الكومبيوتر والدماغ على مرضى الشلل، فقد
قام في العام 1998م بزرع أقطاب في دماغ شخص مشلول كلياً، وجعله يستخدم عقله، ليتهجى
كلمة بواسطة الكومبيوتر. وفي العام 2001م قام معهد إعادة التأهيل في شيكاغو بتزويد
الأمريكي جيسي سوليفان، الذي قطعت يداه نتيجة حادث في العمل، بذراع بيونية، تحصل
على أوامرها من الدماغ، ويمكن التحكم بها عن طريق الأفكار. وقد منحته الذراع من
جديد الإحساس بالاستقلالية، حيث أمكنه القيام بأشياء مثل حلاقة ذقنه، وري النباتات،
وقطع أعشاب الحديقة.(30)
والوجه الآخر لهذه الحقائق التي تداهم مستقبلنا هو أنها تقوم على ثلاثة مقومات
رئيسة: الخبرة، والمال، والوعي بأهمية السيطرة على المستقبل. والذين يتحكمون في هذه
المقومات الثلاثة اليوم هي الدول الغنية التي لا يسلم مشروعها الكبير من بعض
الانحرافات الأخلاقية إن صح التعبير، فاستخدامات العلم تتم في بعض من الأحيان تحت
هاجس المال، فتتنافس الشركات والمؤسسات على تمويل الأبحاث التي تفضي إلى خلق فرص
أكبر للكسب، في الوقت الذي تضعف فيه الحماسة لتمويل الأبحاث أو المشروعات الأقل
دخلاً، ولاسيما في مجالات الطب والمجالات الأخرى لتحسين الحياة. وفي المضمار نفسه
يقع استخدام العلم أحياناً في مأزق من ترف الاستشراف والاكتشاف، فيتم الإنفاق بسخاء
كبير على فكرة ليست عاجلة مثلما ذكرنا أعلاه من دعم نشاط العقل عند الإنسان من
خلال رقائق عصبية لتحفيز ذكائه، وللتوصل لأدوات التخاطب المباشر بينه وبين أجهزة
الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، في الوقت الذي ما ينفك العالم اليوم يحفل بالكثير من
الأمراض الفتاكة التي أودت بحياة الكثيرين، ولاسيما في البلدان الفقيرة، ما يؤكد
الحاجة الأكثر إلحاحاً لتكريس نشاط البحث والعلم في هذا المجال قبل غيره.
مهارتنا الدنيا في مدنهم الذكية
مجالات كثيرة تدخل فيها النانوتكنولوجيا، وهي ستغير حياتنا أضعافاً، بل سيحدث هذا
بما يوازي عشرات الألوف من المرات التي استطاع فيها الإنسان تغيير حياته منذ بدء
الزمان وحتى يومنا هذا. وسيصبح محتوى أكثر أفلام الخيال العلمي خصوبة الآن، مجرّد
تخيلات بسيطة لطفل صغير.(31)
مليارات من الدولارات تنفق سنوياً من أجل تطوير هذه التكنولوجيا الجديدة، وقد تنبأت
مؤسسة العلوم القومية الأمريكية بأن سوق خدمات النانو ومنتجاتها ستصل إلى تريليون
دولار في العام 1915م. وهي ستحدث ثورة صناعية هائلة، وستغير هيكل الصناعات الحالية
بشكل جذري، عن طريق التطبيقات الهائلة في مجالات الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء
والطب والفضاء.(32)
ويتصور أحد الباحثين المستقبل القريب لعلاقة الغرب (صاحب الخبرة) بالشرق الذي هو
مستهلكها على هذا النحو: فهم "سيعزفون قريباً عن زياراتهم القصيرة لديارنا (الشرق)
وسيرسلون "الدوبلير" في هيئة نظم الخبرة expert systems (خبراء آليين) لتشخيص
الأمراض، والتنقيب عن الموارد الجيولوجية، وفرز تصميم النظم، وتحليل التربة ومراقبة
الإنتاج، وإصلاح الأعطال، وتحليل مضمون النصوص. وهم بالقياس ما عادوا في حاجة
لإقامتنا بينهم، في مدنهم الآلية وقراهم الذكية، فالروبوت يقوم بأعمال المهارات
الدنيا التي كانوا فيما مضى يوكلونها لعمالتنا الرخيصة".(33)
ولقد استطاعت الصين أن تتحوّل إلى حاضن أساسي لتقنيات النانو تكنولوجي وشركاتها.
وهي تعد المركز الأساسي لعلوم النانو تكنولوجي عالمياً.(34)
ويذكر أن إيران حازت على المرتبة الأولى في العالم الإسلامي في مجال هذه
التكنولوجيا، والمرتبة الثانية والثلاثين على الصعيد العالمي، وستبلغ المرتبة
الخامسة عشر في العام 2015م. وقد أنشئت في إيران، في العام 2003م، لجنة خاصة لتطوير
تكنولوجيا النانو بإشراف مباشر من رئيس الجمهورية. وهناك 1400 متخصص يعملون في هذا
الحقل حالياً، في مرحلة الماجستير والدكتوراه، بالإضافة إلى 40 شركة.(35)
وفي سبتمبر 2008م وقعت مصر ممثلة في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة
التعليم العالي والبحث العلمي، اتفاقية مع شركة "أي بي إم" لإنشاء "المركز المصري
للتميز في النانوتكنولوجي" والذي يعد أول مركز متخصص للنانوتكنولوجي في مصر وشمال
إفريقيا.(36)
وفي السعودية تمت الموافقة مؤخراً على إنشاء، معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث
"النانو" بجامعة الملك سعود. وكذلك إنشاء مركز تقنية "النانو" بجامعة الملك فهد
للبترول والمعادن. وقد عملت جامعة الملك سعود على الاستعانة بخبرات عالمية في هذا
المجال، ومن ذلك القيام بعقد شراكة مع جامعة إلينوي، ومركز أبحاث العالم الدكتور
هنش في ألمانيا، وكذلك الأكاديمية الصينية في "النانو" وجامعة شنجهاي.(37)
كما قامت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية باستثمار 30 مليون ريال سعودي في
هذه التقنيات 2007م، وهي تنوي استثمار 120 مليون ريال على مدى السنوات الخمس
المقبلة، وذلك لإنشاء أحدث المنشآت المجهزة لتقنية النانو ؛ وتهدف إلى تطوير برنامج
تعليمي وموارد تعليمية، بالإضافة إلى برنامج تدريبي مكثف لتأهيل قوة عاملة ماهرة
ومتخصصة في هذه التقنية.(38)
ولكن.. وكما نلاحظ فإنه في الوقت الذي يؤكد فيه المهتمون في العالم بأن من سيحقق
تقدماً في تقنيات النانو سيتحكم في الاقتصاد العالمي في هذا القرن الجديد، وكما أنه
سيحقق لنفسه من القوة والتفوق وما يضمن له الاستقلال والمركز المتقدم بين الشعوب
الطموحة... وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول الصناعية والمتقدمة على إنفاق
المليارات لمزيد من الاكتشافات في هذه التقنيات الجديدة.. نقول في هذا الوقت الذي
يلوح لنا على هذه الهيئة المدهشة تبدو الإنجازات العربية في مجالات النانو تكنولوجي
على قدر كبير من التواضع، بل إن تقنيات النانو لم تجد في جامعاتنا العربية ومراكز
الأبحاث المختلفة سوى بعض الاهتمامات الخجولة، أما مستويات الإنفاق فهي من جهتها
على قدر كبير من الضعف الذي لن يحقق أي شيء.
عالمٌ لا يشبه نفسه!
هذا تكنولوجيا طاغية "تتعامل مع الأرقام والرموز بأنواعها، مع الصوت والنص والصورة،
مع المكتوب والمنطوق، مع المحسوس واللامحسوس، تتعامل مع العقل ومع الغدد، مع
العناصر المادية الظاهرة والأسرار البيولوجية والسيكولوجية الدفينة، مع المحدد
والقاطع والواقعي وأيضاً، مع المتميع والمحتمل والوهمي (....) ولا عجب، إذن، أن
تنتشر تطبيقاتها في كل اتجاه بمعدلات متسارعة، من غرف العمليات إلى غرف المعيشة،
ومن المفاعلات الذرية إلى أدوات المطبخ ومن المكتب والمصنع والمدرسة إلى العالم على
اتساعه.(39)
إن العالم، بناء عليه، يتهيأ لتغيير صورته بالكامل كل لحظة، سواء على مستوى
علاقاته، أو على مستوى التحديات الجديدة التي اختارها لنفسه ولمستقبله، لن يكون
هناك أدنى شبه، أو أدنى قربى، بين عالم الغد القريب وما سبقه من عوالم منذ أن خلق
الله الأرض ومن عليها.
وهذه الثورة الهائلة في العلم هي التي تقود التغيير، وهي لم تهبط فوق رؤوس أهلها
دفعة واحدة، بل هي جاءت نتيجة تراث علمي وعقلي طويل ومتراكم، ونتيجة تاريخ فلسفي
وتربوي نابه يتأسس على الحرية والإبداع والمثابرة والاكتشاف. فتكنولوجيا النانو، أو
سواها من معجزات التقنيات الجديدة، ما هي سوى مرحلة في خطوط إنتاج طويلة تضرب
بجذورها في البعيد. وهم لم يصلوا إليها بالصدفة، ولم يعثروا عليها ملفوفة تحت وسادة
الصباح، بل لقد تم لهم ذلك عبر الإيمان بالعقل، وبقدراته الفائقة على الإبداع
والابتكار. فالعلم هو تأسيس وتأصيل لإمكانات العقل البشري التي نكتشف، مؤخراً، أنه
لا تحدها الحدود. والعلم هو الذي سيحدد موقع كل أمة في أفق المستقبل القريب
والبعيد. ولم تشهد البشرية سرعة للمستقبل بمثل ما هي عليه اليوم، وبمثل ما ستصبح
عليه غداً، كل حاضر في عالمنا الجديد هو ماضِ، وكل مستقبل هو حاضر عابر لا يتمهل
ولا يمكن له أن يستقر. بعبارة أخرى لقد طغت سرعة المستقبل حتى ألغت الحاضر فأصبح
متداخلاً مع الماضي، فكأنه لم يعد هناك حاضر، لأنه يتحول عاجلاً إلى ماض تحت ضغط
مداهمات المستقبل وسرعته. لهذا قلنا وسنقول بأن العالم الجديد لا يشبه نفسه، فهو في
حالة تغير دائم، إنه عالم يشبه دائماً الآتي "المتوهم"، المتخيل، الافتراضي، أو
الذي مازال يحلم به كتاب الخيال العلمي.
لقد زادت سرعة "السجاد المتحرك" تحت أرجلنا، نحو الخلف، بشكل لم يسبق له مثيل وهذا
ما يزيد في صعوبات التحديات التي تواجه الأمم الضعيفة التي لا قدرة لها على
المكابدة من أجل اللحاق بما لا يمكن اللحاق به.
ومن أهم ما نرى، ضمن هذا النسق المتوخى لمزاج الكون في وضعه الجديد، هو تأكيد حقيقة
ما يرتع فيه العرب اليوم من واقع مرّ، إذ سيزداد القوي قوة، وسيزداد الضعيف ضعفاً،
بل إن الضعيف سيكون الضحية الأولى لتلك المعجزات التي لا قبل له بها، فتكون وبالاً
عليه، وعلى ثرواته واقتصاداته، فهي ستقرب تلك الثروات أكثر وأكثر إلى الأفواه
النهمة التي جعلت من رخائها هدفاً أساساً، حتى لو كان ثمن هذا الرخاء مزيداً من
السحق للآخرين. وهل نلوم القوي على قوته؟! أم أن الأحرى هو أن نعنّف الضعيف على
القبول بأن يبقى دائماً ضعيفاً؟!
تغذية الوهم
هل ندرك الآن، نحن العرب، الحجم الهائل للمسافة التي تفصلنا عن عصرنا؟! ألا نشعر
بمزيد من الغربة المتفاقمة عن الزمان الذي نعيش فيه؟ أم أننا من الحمق بحيث نشعر،
على العكس، بأننا جزء من عصرنا: استيعاباً وتفاعلاً وإنتاجاً؟َ! هل ينتابنا الخوف
والهلع مما ستتعرض له حياتنا من تغيير، أو انقلاب فظيع؟ أم أن ما سيحدث سيكون
بالنسبة إلينا أمراً طبيعياً، وهو غير مفاجئ، وغير مباغت أو مخاتل، لأننا على علم
تام بقدومه، وبما يتطلبه من تهيئة أو استعدادات؟ إننا لا نستطيع أن نتصور ما ستكون
عليه الإجابات المطلوبة لمثل هذه التساؤلات المرّة، ولكن المسافة التي تفصل العرب
عن عصرهم هي المسافة التي تفصل العقل عن اللاعقل، وتفصل التفوق عن الفشل، وتفصل
الطموح عن التخاذل. وهم أثبتوا دائماً قدرتهم على تغذية الوهم، وهم لا حيلة لهم،
هذه المرة أيضاً، إلاّ باستدعاء الماضي واستحضاره، ليملأ الفراغ، وليقينا من
الإحباط، فهو ملاذنا الذي نلجأ إليه عندما يأتي الحساب، نقلب صفحاته، ونتمعن في
سحناته، ونطري فتوحاته، ونطرب لمنجزاته، فترتاح ضمائرنا، وتهدأ نفوسنا، فما لنا وما
للمستقبل ما دمنا نمتلك ماضياً كهذا الماضي، لا بل أن هذا الماضي سيكون هو المسؤول،
بسلطته ورحابة نفوذه، عن اختيار موقعنا من المستقبل الثقيل الذي ما ينفك يداهمنا في
كل لحظة! .. ألسنا خير من ركب المطايا؟ وألم نكن أندى العالمين جبينا؟
إن من العبث أو الجنون أن نقحم عالمنا العربي في سياق الحديث عن سباق العلوم
الجديدة، فهو سباق استأثر به الأقوياء، الأشداء على أنفسهم وعلى مستقبلهم. إننا لو
فعلنا ذلك، لا سمح الله، فإن من شأنه أن يحول كلامنا هنا من نسق الجدية إلى حوزة
الهزل أو المزاح الثقيل والسخرية المرة. فلنعد إذن إلى العقل، لنقيِّد تصوراتنا
بضوابطه.
إن ما نريده حالاً، وقبل أن يرتد إلينا طرفنا، هو الشروع في لملمة جراحنا التي تبدأ
من أهمية إعادة النظر في طرق بناء أجيالنا لتكون قادرة على استيعاب ما يجري حولها،
وتكون مؤهلة للانخراط في السباق الذي لن يتوقف، والذي سيقذف إلى خارج الحلبة كل
الضعفاء وكل الواهنين، فلا يؤثرون في عالمهم ولا يتأثرون به.
إن ما يجري اليوم عندنا في مشروع صناعة الأجيال لا يبعث على كثير من الأمل أو
التفاؤل، إذْ أننا لا نفعل أكثر من تكريس العزلة حول تلك الصناعة، فهي تغرق في
الخمول والجمود والرتابة، وهي دائماً ما تجفل من زحف المعارف الجديدة، أو لعلها تظن
أن تلك المعارف هي من الحيازات اللازبة لغيرها، فهي لا شأن لها بها إلاّ عندما تكون
ناجزة فتشتريها أو تستهلكها، هذا على الرغم من أن ما حدث ويحدث أمام عيوننا، في
بلدان مثل بلداننا، يؤكد أن مَنْ يعقد العزم على الدخول في السباق فهو لن يغادره
خالي الوفاض.. ولنتأمل ماذا يجري في الهند، وما الذي تحقق وسيتحقق في الصين..
مثلاً.. نقول مثلاً!
لا يكفي أن نشتري أو أن نستهلك "المنتج" إذ ينبغي أن نحاول
الاستحواذ على ما "قبل المنتج".. أي البنى الفلسفية والثقافية التي إقتضته أو هي أفضت إليه، بالإضافة الى إدراك النظريات والمعادلات وتأكيد قيم الإنتاج. إن المعرفة مع العقل الحر هما
اللذان سيجعلاننا قادرين على المفاوضة حول "شراكة" مقبولة ومنصفة في بناء
المستقبل.. مستقبلنا ومستقبل العالم.
|
د. فهد العرابي الحارثي
(باحث سعودي) |
الهوامش
(1) من بين هؤلاء، ممن لهم صلة بموضوعنا هنا، عالم الفيزياء الأميركي العربي الأصل
البروفسور منير نايفة، وهو أحد أبز علماء العالم في النانوتكنولوجي وبخاصة في مجال
"جزئيات السليكون النانونية" Silicon Nanoparticles وهو أيضاً مؤسس رئيس شركة
نانوسيليكون الأميريكة وموقعها على شبكة الإنترنت
(www.nanositech.com).
(2) انظر سلامة، صفات، صحيفة الشرق الأوسط، 26 مايو 2007م.
(3) انظر، صحيفة الشرق الأوسط، 27 ديسمبر 2007م
(4) أنظر السابق، 26 مايو 2007م.
(5) انظر علي، نبيل (د.)، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 184 الكويت،
ص18.
(6) انظر سلامة، صفات، صحيفة الشرق الأوسط، 26 مايو 2007م، وانظر مغربي، أحمد،
صحيفة الحياة، 1يونيو 2007م.
(7) انظر العسكر، يزيد (م.) وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض، أبريل 2007م،
ص16.
(8) انظر خياط، مها محمد عمر (د.) مجلة العلوم والتقنية، الرياض، أبريل 2007م، ص28.
(9) انظر المهنا، عبدالرحمن بن علي (د.) وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض،
أبريل 2007م، ص9.
(10) انظر خياط، مها محمد عمر (د.) مجلة العلوم والتقنية، الرياض، أبريل 2007م،
ص30، وانظر أيضاً صحيفة الشرق الأوسط، 27اكتوبر2007م
(11) انظر السابق.
(12) انظر المهنا، عبدالرحمن بن علي (د.)، وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض،
أبريل2007، ص11.
(13) انظر السابق.
(14) انظر السابق، ص9.
(15) انظر الهدلق، هشام بن عبدالعزيز (د.)، مجلة العلوم والتقنية، الرياض،
أبريل2007م ص34.
(16) انظر السابق، ص33.
(17) "نشر حديثاً عدة أبحاث تبين مساهمة تقنية النانو في دفع عجلة التطور في
التشخيص الطبي، خاصة في مرض السرطان، إلا أنه ينبغي التأكيد على أن هذه الأبحاث في
مراحلها الأولى من إجراء التجارب على الحيوانات، وقد تأخذ وقت طويلاً حتى يثبت
نجاحها وسلامة استخدامها على الإنسان" انظر السابق.
(18) انظر العسكر، يزيد (م) وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض، أبريل 2007م، ص
ص 16-17.
(19) انظر صحيفة الشرق الأوسط، 27أكتوبر2007م.
(20) انظر أبو رزيزه، أسعد سراج، صحيفة الوطن، 11سبتمبر 2008م.
(21) انظر الخوري، نسيم (د.)، الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية، ط1، بيروت
2005م، ص 425.
(22) انظر العسكر، يزيد (م) وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض، أبريل2007م،
ص15.
(23) انظر سنو، مي العبدالله (د.)، الاتصال في عصر العولمة الدور والتحديات
الجديدة، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 2001م، ص103.
(24) انظر علي، نبيل (د.)، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 184 الكويت،
ص71.
(25) انظر الشهري، فائز (د.)، صحيفة الرياض 7 أكتوبر2007م.
(26) انظر أبو رزيزه، أسعد سراج، صحيفة الوطن، 11سبتمبر 2008م
(27) "سايبرونغ" صاغه في العام 1960م، عالما الفضاء الأمريكيان مانفريد كلاينز،
وناثان كلاين، من الكلمتين Cybernetic Organism وتعني، حرفياً، كائناً مهجناً من
الآلة والأعضاء الحية. ويرتبط بهذا التعبير أيضاً، تعبير آخر يسمى "بيونكس Bionics
(أي "بيوني") وهو مشتق من الكلمتين Biological Electronics، وتعني دمج المكونات
الإلكترونية بالمكونات البيولوجية. ويدخل المصطلحان ضمن علم السيبرنتيكا
Cybernetics أي علم دراسة الاتصالات، والتحكم الآلي في النظم العصبية للكائنات
الحية ومحاكاة الآلات لها، ويهتم هذا العلم بدعم النظم البيولوجية من خلال توصيلها
بأعضاء صناعية أو أنظمة صناعية أخرى، كما يهتم بتطوير آلات أفضل، من خلال فهم مبادئ
التصميم البيولوجي والعمل على محكاتها في الآلات. انظر سلامة، صفات، صحيفة الشرق
الأوسط 14نوفمبر 2006م.
(28) انظر السابق.
(29) انظر السابق.
(30) انظر صحيفة الشرق الأوسط 27 أكتوبر 2007م.
(31) انظر في كل ما سبق عن الرقات العصبية والآلات الذكية، سلامة، صفات، صحيفة
الشرق الأوسط، 14نوفمبر2006م
(32) انظر صحيفة الشرق الأوسط، 27 أكتوبر 2007م.
(33) انظر سلامة، صفات، صحيفة الشرق الأوسط، 26 مايو 2007م.
(34) انظر علي، نبيل (د.)، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 184 الكويت، ص
ص 26-27.
(35) انظر مغربي، أحمد، صحيفة الحياة، 1يونيو 2007م.
(36) انظر موقع أنباء الإخباري، أخذ 17فبراير2007م
http://www.inbaa.com/modules.php?name=News&file=article&sid-17414.
(37) انظر سلامة، صفات، صحيفة الشرق الأوسط، 31أكتوبر، 2008م.
(38) انظر صحيفة الوطن، 3ديسمبر 2007م.
(39) انظر المهنا، عبدالرحمن بن علي (د.) وآخرون، مجلة العلوم والتقنية، الرياض،
أبريل 2007م، ص2.
(40) انظر، علي، نبيل (د.)، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة 184 الكويت،
ص14.