قضية الشهر
اكتوبر / 2008

التعليم المعتل: مسؤوليات مهملة

د.فهد العرابي الحارثي ( باحث سعودي )
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:
التعليم المعتل: مسؤوليات مهملة

أدت الثروات النفطية في وقت سابق إلى نشوء جيل من المدللين الاتكاليين الذين لم يعد التعليم، بمفهوماته وشروطه الصحيحة الناجعة، هو همهم الأكبر. كما أن الوجاهة الاجتماعية جردت، لديهم، العلم من محتواه الموضوعي الصحيح، وجعلته مجرد "شيء" ينبغي الاحتكاك أو التمسح به، وعنوانه هو "الشهادة" أو وثيقة التخرج، وهدفه هو تعزيز شروط القبول في مجتمع الاستهلاك. وهل نبالغ إذا ما قلنا بأن "النجاح" في المدرسة أو الجامعة يكاد لا يختلف كثيراً، في بعض الأحيان، عن اقتناء سيارة فارهة، أو ساعة ثمينة، أو بزّة أنيقة؟!!.

أجل فنحن نستقبل في جامعاتنا أفواجاً من المعاقين علمياً وتأهيلاً دراسياً. ثم أضيف بأننا، في تلك الجامعات، لا نزيد أكثر من تعميق تلك الإعاقة. ولقد وجدت أن هذه المعاينة الأليمة لم تكن مقصورة علينا وحدنا في السعودية والعالم العربي، وإنما تشمل غيرنا من البلدان النامية، دون ضرورة للتماثل في الظروف والمسببات. فالمدارس، في البلاد النامية، ما فتئت تتلقى العديد من التساؤلات من أفراد المجتمع، حيث أنهم يرونها غير فعالة في تعليم أبنائهم، فيعتقد الكثيرون أن التلاميذ لم يتعلموا بشكل كافٍ، وأن لديهم عجزاً في تعُّلم الأساسيات المهمة، مثل القراءة والكتابة والرياضيات"(1)

إن هذا الواقع يعيشه طلابنا في السعودية بشكل يدفع إلى كثير من الحزن. أقول ذلك من خلال ما أقرأ وما أسمع، بالإضافة إلى تجربتي الشخصية في التدريس الجامعي. فالطلاب الذين يلتحقون بالجامعة، في الأغلب الأعم، يعانون من ضعف واضح في كل شيء، حتى في القراءة والكتابة. وهذا يعطي الانطباع بأن التأهيل الدراسي في التعليم العام يعاني من خلل فادح، وهو حتماً خلل يتعلق بالعملية التعليمية بكل عناصرها التكاملية المختلفة، وهو لا ينفي الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نوهنا عنها أعلاه، ولكنه يساندها في تكريس هذه السلبية الواضحة. ومثل هذه الملاحظة الناصعة، على مستوى التأهيل الدراسي لدى الملتحقين بالجامعة، يشترك في إبدائها العديد من أعضاء هيئة التدريس، وهي ملاحظات صادقة لأنها تصدر عن أناس لهم تجاربهم مع الطلاب ونوعياتهم. ونحن نتفق على أن الجامعة ليس من مهماتها إعادة إنتاج وظائف المراحل التعليمية الأدنى وتكرارها.. فلا يكون همها بطبيعة الحال هو تعليم طلابها القراءة والكتابة مثلاً، بل إن وظيفة الجامعة هي، بالدرجة الأولى، خلق "فكر منظم" لدى الطلاب من حيث كونه هدفاً كبيراً وشاملاً. وهنا لا بد أن ندرك بأن خريجيها، من ضعيفي التأهيل الأوليّ، في هذه الحالة، سيدلفون إلى الحياة العملية وهم يحملون معهم العاهات نفسها التي جاؤوا بها من المراحل الدراسية الأدنى، وأبشعها، بطبيعة الحال، عدم القدرة على القراءة أو الكتابة بالشكل الصحيح أو اللائق، ويكون الحكم حينذاك للمسؤولين في الأجهزة والدوائر الحكومية والأهلية، الذين يحلو لهم، بحق، أن يتندروا بمستويات الخريجين، على مستوى الأمية الأبجدية، فضلاً عن التهكم بمدى وفائهم بمتطلبات العمل الوظيفي الجديد. وهذا الحكم يكتسب في نظري مشروعيته الخاصة، فهو لا ينأى كثيراً عن الواقع الفعلي لحال الخريجين.

الحماسة للتعلُّم

وإذا أردنا أن نفكر في تفكيك الخلل الموضوعي، الذي يعتري العملية التعليمية أو التربوية لدينا، فإن أول ما يبرز أمامنا ضعف الحماسة للتعلُّم لدى الطلاب أنفسهم، فهم يذهبون إلى المدرسة ليس بالضرورة بدافع التعلم والتحصيل ولكن لأن ذلك أضحى تقليداً اجتماعيا لا مفر منه، فالصبيان كلهم يذهبون إلى المدارس ومن غير اللائق البقاء في المنزل بينما الآخرون في مدارسهم، وهكذا تكون المدرسة محطة عابرة من المحطات التي يمر بها الإنسان في تطوره الزمني وليس العقلي، وليس هناك أكثر من ذلك. ولهذا فإنه يستقر في نفوس الطلاب أهمية أداء هذا "التقليد" أو عبور هذه المحطة بأقل الأضرار، إن صح التعبير، أي أقل الجهد، وأقل الجد. أما التسابق في مجال الحصول على "درجات" أفضل فهو قد يحدث ولكن لمجرد المنافسة في مستواها البسيط: مَنْ أفضل مِنْ مَنْ!.. في ظل غياب تام لتصور المستقبل أو المراهنة عليه، ويشترك الوالدين في هذه "اللعبة" ويتحول الإبن أو البنت عندهم إلى حصان أو فرس في سباق ينتهي بنهاية العام الدراسي، ولا يمثل تفوق التلميذ فيه سوى وجه كالح لوجاهه أسرية أو اجتماعية لا هدف بعيداً لها. ولننظر إلى المدارس الأهلية "المتميزة" التي وجدت، في الأصل، من أجل تحسين أوضاع التلاميذ من المقتدرين، ومن أجل حصولهم على مستويات تعليمية لا تتوفر لهم في المدارس الحكومية، فلقد انحدرت تلك المدارس أو استدرجت إلى لعبة الوجاهات الاجتماعية، والعائلة إنما تبعث أولادها إليها في الغالب لهذا السبب، والمدارس ذاتها بدافع الربحية وإرضاء الآباء قد تجزل العطاء في الدرجات. وهذه الأوضاع تختلف، في جذورها وفي أهدافها، عما سمعنا وقرأنا حول معاناة الطالب الياباني أثناء تحصيله العلمي، فليس غريباً أن تقابل شباباً يابانيين صغاراً، مرهقين متعبين، في القطار الكهربائي الذي يجري أسفل المدينة Subway، أو في القطارات الصغيرة التي تربط بين الضواحي، وذلك في العاشرة ليلاً، وهم عائدون من حيث حضروا دروساً إضافية، منذ فترة ما بعد الظهيرة المتأخرة.(2) وذلك من أجل زيادة تحصيلهم العلمي، ومن أجل إثراء عقولهم ووجدانهم وخبراتهم استعداداً لمراحل أخرى مقبلة. إن "مشروع التلميذ" يعد حالة استنفار وتهيؤ كاملين لدى العائلة اليابانية، وهو يستدعي التعبئة العامة المستدامة، لأن الوصول إلى الجامعة ليس طريقاً مفروشاً بالورود، ولأن حياة العمل فيما بعد تشترط الإنسان القوي المؤهل الجاهز للإسهام في الإنتاج. وفشل العائلة اليابانية في هذه المهمة هو "عار" لا يغسله سوى "انتحار!" التلميذ وربما عائلته معه.. وفشل المؤسسات التعليمية في ذلك هو هدر وطني وقومي لا يغفره سوى إعادة النظر في مقومات العملية التعليمية برمتها. إن الضغط الشديد على شباب اليابان، كي يتسلقوا السلم التعليمي المؤدي للنجاح، يبدأ في سن باكرة فحياة تلميذ المدرسة المتوسطة في اليابان محكومة بالدراسة، وبمزيد من الدراسة، ومزيد من التدريب، ومن المهم جداً ملاحظة أن الطلاب اليابانيين يحصلون على فترة إجازة أو عطلة أقصر من نظرائهم الأمريكيين، وبالتحديد فهم يحصلون على عطلة مدتها ما بين أربعة إلى ستة أسابيع فقط في العام (من منتصف يوليو وحتى آخر أغسطس) وقد نجد، في هذه الفترة القصيرة، أن بعض المدارس تعطي طلابها مشروعات ليستكملوها خلال أجازتهم تلك(3) ، وبالمناسبة فإن العام الدراسي في السعودية وبعض البلدان العربية، هو - مع الأسف - الأقل في العالم كله.

تكامل المشروع التعليمي

إن ما ذكرنا أعلاه يفضي إلى مجموعة استنتاجات أبرزها:

أولاً: إن إثارة الحماس للتعلمًّ هي تربية في حد ذاتها، فتعويد الطالب على الكفاح العلمي يجب أن يبدأ منذ المراحل الأولى في التعليم، بحيث ينتظمها إلى آخرها، دون أي خلل أو تهاون. وهذا من شأنه أن يخلق من العملية التعليمية همّاً واضحاً وراسخاً في ذهن الطالب ووجدانه، فلا تكون المدرسة، كما هي الحال عندنا، ترفاً اجتماعياً جرت به العادة، ولكنها ستكون مصيراً محتوماً، وسيكون لها الحسم في قيمة الفرد وفي أهمية الدور الذي سيلعبه في مجتمعه، وفي بناء مستقبله. إن "الجدية" و"الانضباط" هما غرس مهم لخلق الإنسان الذي يؤمن بقيم العمل، وأهمية الوقت، وحلاوة النجاح، والثقة بالنفس والرضا عنها. وتلك هي مواصفات المواطن الذي يطمح إلى أن يترك أثراً فيما حوله.

ثانياً: أن التعليم مشروع تكاملي ضخم، تشترك في مسؤوليته جميع المراحل التعليمية، فالقبول في الجامعة نفسها مشروط بدرجة متفوقة في المراحل التي سبقت، وهذا من شأنه أن يعمِّق استشعار المسؤولية في المراحل الدنيا، وبالتالي يحفظ الجامعة من هذا الغثاء الذي يعطل دورها الصميمي، ويعرقل مسؤولياتها الحقيقية، ويدفع بها إلى الاشتغال عن ذلك الدور وتلك المسؤولية، بأمور هي ليست من مهامها، كتعليم القراءة والكتابة، (وأقول ذلك بكل خجل) أو إعادة وتكرار ما درسه التلاميذ في المراحل الأدنى من التعليم.

وعودة إلى الحالة اليابانية من حيث تكامل المشروع التعليمي فإن معلمي المرحلة الثانوية يأخذون على أنفسهم تدريب طلابهم بشكل مستمر ودؤوب، ما يزيد من إعدادهم وتأهيلهم للالتحاق بالجامعات لمن يريد ذلك. ويقوم مدرسو المدارس الثانوية المبكرة (المتوسطة) ، وكذلك المرحلة الابتدائية بالعمل نفسه مع طلابهم(4) وهذا ما جعل من الطالب الياباني إنجازاً هاماً، انعكس على مستوى الإنتاجية اليابانية. إذ يقال إن إنتاجية العامل العربي لا تتجاوز في أحسن الأحوال 15% من إنتاجية العامل الياباني. وضعف إنتاجية العامل العربي لا تعود فقط إلى ضعف المؤهلات والمهارات ولكن أيضاً إلى منظومة القيم التي تتحكم في العقل العربي، وينتج عنها، في الأغلب، المزيد من تضييع الوقت والجهد والمال، "فالعامل العربي يوماً مريضاً، ويوماً آخر ملزم بفرح أو عرس ابن عمه، واليوم الثالث سيذهب لزيارة أبناء عمومته أو أقاربه في القرية، واليوم الرابع سيتغيب للحصول على أوراق إدارية من الإدارة العامة للمنطقة".(5)

وما قيل عن الرجل الياباني يمكن أن يقال، بالقدر نفسه، عن الرجل الغربي، فهو، في نشأته وثقافته ونمط حياته اليومية "مدفوع" لأن يعمل دائماً، وأن لا يهدر الوقت لأن "الوقت مال" حتى في أسلوب تسليته. "أما العربي فوضعه الاجتماعي والثقافي مختلف، وبالتالي عاداته وأهدافه وقيمه مختلفة أيضاً. إن الإنتاج في حياته لا يشكل هدفاً أخيراً، والعمل لا يرمز إلى قيمة أساسية في منظوره الأخلاقي، ولا يشكل لديه، كما لدى الغربي، فضيلة كبرى يعتز بها. بل إن العكس هو الواقع؛ إذ يستحسن لديه أن يخصص وقت الفراغ للمتعة والتسلية لا للمزيد من العمل والكد". إن الرجل الأمريكي إذا وجد لديه شيئاً من الفراغ ينصرف إلى عمل ما. فهو إما أن يحرث في حديقته، أو يعد الحطب للشتاء، أو يصلح سيارته، أو يقرأ. أما العربي فيفتش عن أي سبيل إلى التسلية وضياع الوقت، فيدعو صديقاً إلى زيارته، أو يذهب هو إلى زيارة أحد معارفه، وإن لم يجد أحداً يتوجه إلى المقهى، أو إلى مكان عام، يفتش فيه عن أحد يتساير معه.(6)

إن الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة عند اليابانيين والغربيين ليس من أجل عيون الوالدين، أو خوفاً منهما، وليس لأن الأقران يفعلون ذلك، أو لأن من العيب الجلوس في البيت، وليس لأن من شروط الرجولة أو الفحولة الحصول على "شهادة" دراسية، وليس لأن من لوازم البحث عن موقع اجتماعي التخرج من الجامعة، ليس لشيء من ذلك أبداً، وإذا كان هناك شيء من ذلك فإن الأهم والأبرز هو قيمة العلم في ذاته، وفي حاسميته بالنسبة لمستقبل الشاب، ولمستقبل مجتمعه، ومستقبل بلاده.

إن القبول في الجامعة يعدّ في اليابان انتصاراً وإنجازاً كبيراً في حد ذاته، فهو يحتاج إلى جهد ومثابرة وتحصيل ينتج عنهما جميعاً أشخاص مقتدرون على خوض التجربة الجامعية التي تختلف في وسائلها وأهدافها عن المراحل التعليمية السابقة لها. هذا في الوقت الذي تقبل الجامعات لدينا أعداداً كبيرة من خريجي الثانويات فمن يحملون في أيديهم درجات لا تعبر بالضرورة عن مستواهم التعليمي الواقعي.

إن متطلبات جامعاتنا هي، في الأصل، أقل من المتوقع، ويبدو ذلك واضحاً إذا ما قورنت تلك المتطلبات بتلك التي عليها الجامعات المماثلة في العالم المتقدم. والمقصود هنا ليس حجم الدرجات التي يحصل عليها التلميذ فقد تكون المعدلات التي تشير إليها وثيقة التخرج مرتفعة، ولكن، كما أشرنا أعلاه، فإن ذلك لا يعبر في معظم الأحوال عن المستوى التحصيلي الحقيقي للتلميذ، وتزداد المشكلة تفاقماً فيما بعد حين نعرف أن طالبنا الجامعي يتعامل، في الغالب، مع مدرسين يكيلون له الدرجات في الامتحانات بدون حساب، وهنا يزداد الحماس العلمي والوازع التحصيلي ضعفاً وهواناً.(7) "إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات يتساهلون في تقويم الطالب وأدائه التحصيلي، حيث يحصل الكثير من الطلاب، ولاسيما في الأقسام النظرية، على تقديرات عالية سواء استحقوها وحصلوا عليها عن جدارة أم لا".(8) وما من حسيب أو رقيب، وإذا كان الضمير المهني غافياً عند بعض القائمين على تربية أولادنا فكيف يمكن أن نعيد إليه صحوه ونقاءه؟

إن الهدف الأسمى لنظم التعليم الناجحة، ليس التخرج بأعلى الدرجات، وإنما هو البناء الفكري للتلاميذ، وإمدادهم بالخبرات وتأهيلهم للعمل والإنتاج. فما يتلقاه التلميذ في مؤسسات التعليم ليست غايته اجتياز الامتحانات بل غايته، بالأحرى، أن يكون عنصراً حيوياً يدخل في بناء المواطن وتكوين شخصيته على أسس علمية ومنهجية ومعرفية تجعل منه عضواً فاعلاً ومؤثراً في محيطه.(9)

وهنا نعود من جديد إلى النظر في التجربة اليابانية، فالبروفيسور إزرا فوجل مؤلف كتاب "اليابان الدرس الأول لأمريكا" يقول: "ليس هناك حدث، باستثناء الزواج، يقرر ويحدد مجرى حياة الشاب الياباني مثلما تفعل امتحانات القبول في الجامعة. كما أنه ليس هناك شيء على الإطلاق، بما في ذلك الزواج، يحتاج إلى سنوات من الجهد والتخطيط والعمل الشاق مثل تلك الامتحانات" وبناء على ذلك فإن التلاميذ الذين يرغبون في المنافسة للتقدم والقبول في الجامعة يجدون أنفسهم مطالبين بالبدء في الاستعداد للامتحانات إبتداءاً من المرحلة الثانوية المبكرة (المتوسطة)، بل وحتى قبل ذلك. إن منافسة الامتحانات يعبر عنها ذلك القول الياباني الشهير" أربع ساعات من النوم تعني النجاح، بينما خمس ساعات من النوم تعني.. الرسوب" وواضح طبعاً هنا أن أي لحظة يقضيها الياباني الصغير في المذاكرة والاستعداد للامتحانات معناها فرصة أكبر للنجاح.(10) وقد لوحظ أن هناك عدداً متزايداً من المشكلات المرضية بين الشباب الياباني يمكن إرجاعها إلى الضغوط الناشئة عن نظام الامتحانات. وهناك دراسة استغرقت خمس عشرة سنة، وعرض تقريرها في المؤتمر الرابع الخاص بالكلية العالمية للطب النفسي الجسدي. Fourth congress of the international college of psychosomatic medicine. في العام 1976م، فقد أوضحت الدراسة المذكورة أن هناك زيادة مثيرة في حالات قرحات المعدة بين طلاب المدارس في اليابان خلال العقد الماضي. وقد عزي هذا الارتفاع المفاجئ إلى الضغط الشديد الناتج عن الاستعداد لدخول إمتحان القبول في الجامعات.

أما البعد المأساوي أو "التراجيدي" في نظام الامتحانات في اليابان، فيتمثل في المعدل العالي للانتحار بين جماعات الشباب الصغار، ولاسيما الذين يلزمهم امتحان القبول في الجامعات، فقد كشفت وزارة التربية اليابانية النقاب عن إحصاءات تبين أنه فيما بين 1972-1975م كانت هناك حالات من الانتحار بلغت 300 حالة تقريباً سنوياً. وأنها كانت من بين تلاميذ المرحلتين المتوسطة والثانوية.(11) والانتحار يعد حالة يابانية عامة لمواجهة أو لمعالجة أي نوع من أنواع الفشل، سواء كان دراسياً أو غير دراسي. وقد شهدت اليابان تزايداً في عدد المنتحرين عموماً، ولاسيما منذ العام 1998م، إذْ يتجاوز عدد المنتحرين الــ30 ألف كل عام. وفي العام الماضي كانت هناك 32325 حالة انتحار في اليابان أو 25.3 لكل 100 ألف مواطن طبقاً للبيانات الحكومية. والرجال هم أكثر من ثلثي إجمالي المنتحرين، وسجلت حالات الانتحار مستوى قياسياً في العام 2003 عندما بلغت 34427. وتظهر إحصائيات دولية أن في اليابان ثاني أكبر معدل انتحار بين مجموعة الدول الثمان الصناعية بعد روسيا. وطبقاً للإحصائيات الواردة على موقع منظمة الصحة العالمية الإلكتروني على فإن معدل الانتحار في اليابان بلغ 24.1 لكل 100 ألف مواطن في العام 2000م مقارنة مع 39.4 في روسيا، وبلغ معدل الانتحار 18.4 في فرنسا و10.4 في الولايات المتحدة. ولا توجد في اليابان أي مبادئ أو تعاليم دينية تحرم الانتحار، وقد ظل ينظر إلى الانتحار هناك على أنه وسيلة للفرار من الفشل.(12)

وبغض النظر عما يقال حول علاقة الياباني بالانتحار، وبغض النظر عن موقف التربية من الظروف التي تدفع إلى ذلك، فنحن يمكن أن نستنتج من علاقة اليابانيين بالتعليم والتأهيل، أمرين: الأول: كون الالتحاق بالجامعة، لمن يريد ذلك، يعد نجاحاً هائلاً في حد ذاته. والثاني وهو: حاسمية المسألة التعليمية بالنسبة للطالب الياباني، فالحماس للتحصيل لديه، والنجاح بالنسبة له، يعطيان أروع الأمثلة على الشعور بالمسؤولية، والبعد عن التسيب، والميوعة، والاتكالية التي تؤذي العين والقلب في مسيرة أجيالنا الحاضرة.

هل يمكن أن يدفعنا هذا إلى أن نطالب مدارسنا في التعليم العام، ثم في جامعاتنا، بإعادة إنتاج التجربة اليابانية؟ فتعيد تلك المدارس النظر في مناهجها وبرامجها وطرق التدريس فيها وكفاءات العاملين فيها من مدرسين وإداريين بحيث تكون النتيجة هي إعداد التلاميذ وإمدادهم بما يحقق لهم القدرة على مواصلة المراحل التالية بما لها من أهداف وغايات تختلف، أو تتكامل، مع ما سبق من مراحل. كما تعمد الجامعات، من جهتها، إلى إعادة تصميم امتحانات القبول فيها، فلا تقبل خريج الثانوية لمجرد أن لديه شهادة تؤكد حصوله على درجات متقدمة، بل لابد أن يتوافر على الإمكانات والقدرات العلمية التي تجعلنا على ثقة بأنه قادر على خوض التجربة الجديدة بشروطها وغاياتها الخاصة بها. ولعل من الشروط البديهية الواجب توفرها في التلميذ قدرته على الفهم والاستيعاب والمقارنة، وقبل ذلك مستوى تمكنه من الأدوات الأساسية الضرورية لمتابعة المدرسين، وكتابة الملاحظات، وإعداد المداخلات، والقدرة على التعامل مع المختبر والمكتبة إلخ..

الأب اللاهي المتلهِّي

وإذا كان الطالب عندنا يعيش حالة تناقض مربكة بين طموحاته البراقة، وواقعه الضعيف، فإن الآباء أنفسهم يعيشون حالة التناقض نفسها، ولكن من منطلقات مختلفة، فالأب فعلياً لا يقوم بواجبه كاملاً في الجزء الذي يعنيه من مسؤوليات المشروع التعليمي، فهو في الغالب مشغول بهمومه، أو مشاريعه، أو أسفاره وذهابه وإيابه، فلا يهتم حقيقة وفعلياً بمتابعة مستوى التحصيل عند ابنه، ولا يعنيه أمر مساعدته في اختيار التخصص أو الجامعة أو المعهد الذي يناسبه، وهو لا يعرف عن ذلك الابن سوى أنه، ولله الحمد، منتظم في دراسته كما تقول أمه، أو كما يتوخى هو، بمقتضى ما يوحي به إليه حدسه أو تخمينه. الأب لا يقف إلى جانب ابنه إلاً في يوم التخرج، ليجعل من هذا الحدث إضافة معتبره إلى رصيد إنجازاته، فهو يهمه أن يزهو بالابن الذي تخرج، ليس لأن هذا الابن استطاع أن يحقق ذاته، ولكن لأن الأب يريد أن يجعل من ذلك الابن، بما وصل إليه، إضافة إلى مفاخره هو، فهو يملك، مثلاً، قصراً جميلاً، وعدداً من السيارات الفخمة، ورصيداً ممتداً في أحد البنوك، ثم إن لديه، فوق ذلك، إبناً متخرجاً من "الجامعة" في تخصص سيلحّ، مكابراً أحياناً، على التأكيد بأنه من التخصصات التي يحتاج إليها سوق العمل، وينتظرها بناء الوطن. وليس مهماً كون هذه المعلومات، في معايير الآخرين، صحيحة أو غير صحيحة، وليس مهماً أيضاً ماذا سيفعل هذا الشاب بعد التخرج؟ وماذا سيقدِّم لوطنه؟ المهم الآن، وفقط، هو أنه أصبح لديه الإجازة من الجامعة، والمشكلة شبه محلولة بالنسبة إلى الآباء من المثال الذي سقناه هنا، فبانتظار الابن، أحياناً، مكتباً أنيقاً في إحدى شركات "الوالد" أو مؤسساته، وسيكون فوراً مديراً عاماً، أو نائباً لرئيس مجلس الإدارة الذي هو في الغالب الوالد نفسه، أي مالك المؤسسة أو الشركة، أو أنه، على الأقل، أكبر المساهمين فيها. وأنا أعرف آباء من نوع آخر يتباهون في مجالسهم بأنهم قد وفرّوا لأبنائهم أفضل الجامعات وأرقاها، في الداخل أو في الخارج، وأنهم قد سهّلوا لهم أفضل الظروف للتحصيل العلمي"!!" ولكنك لو سألتهم عن تخصصات أبنائهم، أو عن المشوار الذي قطعوه في الدراسة، أو عن مستوى التحصيل لديهم، أو عن النشاطات التي سيمارسونها بعد التخرج، لحاروا في الجواب. إذ أن "علاقتهم" بهؤلاء الأبناء تقف عند مستوى البريق الخارجي للفعل نفسه.

وإذا كان مثل هذا الوضع يلتصق، في الغالب، ببعض الفئات الميسورة في مجتمعاتنا، فإن الفئات الأدنى لا تبتعد عنها كثيراً من حيث النتيجة، وبطبيعة الحال فهي محكومة بمنطلقات مختلفة، فتلك الفئات الأدنى إما أنها مشغولة، عن متابعة الأولاد، بهمومها الصغيرة، أو مشكلاتها الكبيرة، أو أنها لا تعي تماماً، وهي قد تكون معذورة، دورها الحقيقي المطلوب في المشروع التعليمي الضخم. وهذه الفئة، هي الأخرى، واقعة إلى الأذقان في فتنة "الجامعة"، ولا يهم بعد ذلك ما هو التخصص، وهل هو مطلوب في سوق العمل، أو أنه غير مطلوب، حتى إذا نال الشاب "الشهادة" الجامعية، بدأ المشوار المرّ في البحث عن الوظيفة المستحيلة، وهنا يدرك الآباء أن التعلّم للتعلّم شيء، وأن التعلّم للعمل والإنتاج هو شيء آخر مختلف.

إن هذا الإهمال الذي يحدث في الجامعة من قبل الآباء يحدث مثله تماماً في المراحل الأدنى، فالتلميذ متروك لمصيره، والكل عنه غافلون، فلا اتصال بالمدرسة، بين الحين والآخر، ولا مقابلة للمسؤولين، أو لهيئة التدريس بها، ولا اهتمام بالمتابعة في المنزل، أو التأكد من إنجاز الواجبات، وتحسس المشكلات، والتعرف على نقاط الضعف والقوة في المواد الدراسية المقررة.(13)

إن المتابعة من أولياء الأمور من شأنها الإسهام في تطوير العملية التعليمية نفسها، ثم، أبعد من ذلك، فهي ستسهم في تحفيز الحماس الذاتي عند الطالب. ومن المؤسف أن تكون ثقافة المنزل السعودي أو الأسرة السعودية هي ثقافة مثبطة للإنتاج، فهي تشيع، في سلوكها وطريقة تفكيرها، ثقافة الاستهلاك، وهذه الثقافة لا تستقيم بحال مع قيم العمل والإنتاج ولا تنسجم مع متطلبات الانضباط والمثابرة. والشباب عموماً، ذكوراً وإناثاً، يقعون ضحية سهلة لهذه الأوضاع التي تنعكس عليهم وعلى أدائهم وعلى التزامهم في حياتهم العملية فيما بعد. فلابد إذن من إعادة هيكلة أولويات الأسرة السعودية، ولابد أيضاً من ترتيب القيم الاجتماعية التي تعتنقها، وأهمها قيم العمل والإنتاج.(14)

ولنعد مرة أخرى إلى استدعاء نموذج التجربة اليابانية، فحوالي 15–20% من الطلاب الذين يجرون امتحان القبول في جامعة طوكيو مثلاً يذهبون إلى تلك الامتحانات وهم مصحوبون بأمهاتهم. وهذا الانشغال الشديد من جانب الأمهات، بخصوص نجاح أبنائهن في التعليم، لاشك يظهر تعدد الفرص أمام الأم اليابانية النموذجية لإنجازها الشخصي خارج حدود أسرتها، وهو يحقق لها مركزاً طيباً، وسمعة بين جيرانها وصديقاتها ومعارفها، ومن هنا فلا غرابة أن يقوم مدير المدرسة بإهداء بعض الأمهات شهادات تقدير شرفية، نظراً لأنهن عملن بشكل جاد، كي يضمنّ نجاح أبنائهن، وتفوقهم، وذلك أثناء احتفالات التخرج التي تجري في المدارس الثانوية".(15) وعلى الرغم من تأكيد التربويين على دور الآباء في المشروع التعليمي، فإنه لا يبدو أن هذه المسألة قد أخذت حجمها المتوخى في اهتمام الفئات المجتمعية المختلفة لدينا، وذلك إما لنقص في الوعي التربوي المشاع، وإما لأن المهمة التعليمية قد جردت هنا، بشكل أو بآخر، من جانبها "التعاوني" بأبعاده المتعددة. فالكل ينتظر المدرسة أو الجامعة لتكفل الأبناء، وتزيح عن الآباء العبء الذي قد يعرقل التفكير في الهموم الصغيرة أو التطلعات الكبيرة، والموعد مضروب عند باب التخرج، لتبدأ هناك مهمة الأسرة، فيضاف الابن أو البنت إلى "الأشياء" الجميلة التي "أنجزها" البيت، أو هكذا نتصور، ومن حق الجميع الآن أن يفخروا بأنه قد أصبح في العائلة شخص يحمل "شهادة" أما ما هي "الشهادة"؟! وماذا تستر من عورات علمية وتحصيلية؟! فهذا كله ليس المهم.

وهذه السلبية التي تمتد من الطالب، في ضعف حماسه للتعلّم، وصولاً إلى الأب في إهماله ولا مبالاته، هي سلبية اكتسبت مقوماتها من عادة اجتماعية راسخة عندنا لا يغيب عن أحد مدى المضاعفات السيئة التي عكستها على البنى الصغيرة والكبيرة في المجتمع السعودي.

المدرس الكسول المستبد الكاره لوظيفته

المدرسون أنفسهم يسهمون من جانبهم في إضعاف الحماس للتعلّم لدى الطالب، أو على الأقل فإنهم لا يعملون شيئاً يذكر من أجل تحفيزه وتحريضه على العمل، والابتكار، وتحقيق الذات، والمساهمة في صنع المادة نفسها، واختيار صياغاتها الملائمة. فمدارسنا، كما يلاحظ بعض التربويين، منغمسة في الطرق التقليدية الرتيبة المملَّة، والتي يكون فيها المدرس هو كل شيء، فهو يهيمن على جميع النشاطات التي من المفترض أن يمارسها التلاميذ بأنفسهم، والتي من شأنها مراعاة الفروق الفردية وتنميتها. والمدرس لا يهتم بتنمية مهارات التلاميذ في أساليب البحث والاستقصاء، وتشجيعهم على الإطلاع، ومثل هذه الملاحظات ليست مقصورة على مرحلة دراسية بعينها، بل أنها تشمل جميع المراحل الدراسية.. حتى الجامعة. ففي المراحل التعليمية الدنيا على الطالب أن يصغي ويستقبل فقط، وإذا كلف بواجب مدرسي فهو يعرف نتيجته سلفاً، وهي الاستحسان الدائم من المدرس الذي يضع عبارات التشجيع عادة دون أن يكلف نفسه، غالباً، قراءة ما كتبه التلاميذ. وهذا يهيئ سلفاً لمعرفة الطريقة التي ستصحح بها أوراقهم في الامتحان، فالمدرس حتى وإن قرأ تلك الأوراق فإنه لن "يتشدد" في منح الدرجات، لشعوره الداخلي بأنه مسؤول، هو نفسه، إلى حد ما، عن مفارقات المستويات التي بين يديه. إنه أيضاً، وفي الغالب، لا يكلف نفسه من الأساس التحضير المتقن للمادة التي يدرسها، ولا يحاول التجديد أو الإبداع فيها، فهو يكررها، ويكرر نفسه، لسنوات طويلة، فيبلغ منه الملل مبلغه، وتكون علاقته بالمدرسة هي علاقة الموظف الكاره لوظيفته. والتجارب في هذا كثيرة ومتعددة.

وفي الجامعة أنت أيضاً أمام مدرس يتسيِّد على طلابه، فهم لا يسهمون بأي شيء في المادة الدراسية، فهو الذي يختار مفرداتها، وهو الذي يشكل ظروفها، ويهيئ مناخاتها. وهو، في الوقت ذاته، لا يفرَّق بعد بين المدرسة المتوسطة والجامعة. فيفتح الكتاب الوحيد في المادة، ثم يقرأ منه، وأحياناً يعلق "!!" وأحياناً يكرر الكلام البارد الممجوج الذي يردده دائماً، وغالباً ما يكون الكتاب المقرر على الطلاب من تأليفه أو "تلفيقه" وغالباً أيضاً ما يجبر الطلاب على شرائه. وفي كل الأحوال فإن الجامعة هنا لم تعد أكثر من امتداد ساذج للمراحل التعليمية الدنيا التي سبقتها، ولقد أحزنني أن إحدى الكليات في إحدى جامعاتنا الكبرى عقدت، يوماً، اجتماعاً مع أعضاء هيئة التدريس فيها، لمناقشة مشروع "الكتاب الجامعي" والذي ترى، أي الكلية، أهمية قصر الطالب الجامعي عليه في تحصيله. والمشكلة هنا لم تعد تقصيراً من مدرس، ولكنها سوء فهم من مؤسسة أكاديمية بحالها. والنتيجة النهائية، كما يمكن أن نتصورها، هي تعطيل كامل لدور الجامعة الحقيقي في تنمية القدرات البحثية لدى الطالب، والإسهام في خلق فكر "منظم" مستقل لديه. وأبعد من هذا فهي ستساعد على إضعاف الحماسة للتعلم. وأستطيع أن أراهن، بحكم تجربتي الشخصية في التدريس في الجامعة، أن هناك طلاباً تخرجوا، ونالوا الشهادة، وهم لا يعرفون الطريق إلى المكتبات الجامعية التي تشغل مساحات ليست بالهينة في أكثر جامعاتنا. وأستطيع أن أراهن أيضاً أن أكثر هؤلاء الطلاب لا يعرفون كيف يستعينون بموسوعة علمية، أو كيف يستخدمون قاموساً في اللغة أو المصطلحات أو أسماء الإعلام والتراجم، أو كيف يتعاملون مع الإنترنت. والمدرسون غالباً يدركون أن فتح مثل هذه الأبواب يعني إضافة أعباء جديدة عليهم من المتابعة والتوجيه والإرشاد والمساعدة. وهم، كما يبدو، يفضلون عدم الدخول في مثل هذه المتاهات "المتعبة".

والمعلوم أن الساعات الطويلة، التي يقضيها الطالب مستمعاً لمحاضرات الأساتذة، أو متناقشاً معهم في قاعات الدرس، توجب عليه من أن ينفق ضعفها، على الأقل، باحثاً عن مصادر أخرى في الإنترنت أو المكتبة، للمقارنة، والمقاربة، والاستنتاج، وذلك لكي يكون لكل ما سمعه وقرأه قيمة تعليمية حقيقية. فالتعلم بالسماع، هو الوجه الأول للعملة، أما الوجه الثاني فهو القراءة التحليلية المقارنة. وهو ما يرتقي بالتعليم من الحفظ الأجوف، والترديد الببغاوي إلى تنمية الذهن، وانفتاح الشخصية.

الطوفان المتجدد من المعلومات

وهذا المبدأ على إطلاقه يزداد تعقيداً في عصرنا اليوم، لأن كمية المعلومات المتحصلة، مهما كان مقدارها في عصر التطور المعلوماتي السريع الذي نعيشه، لم تعد تنفع لوقت طويل، لأنها لا تلبث إلا قليلاً، حتى يظهر ما هو أكثر منها جدةً، وربما أكثر نفعاً. وهذا الطوفان المتجدد من المعلومات، يكون في متناول من اكتسب مهارة الحصول على المصادر، ومهارة التعامل من التقنيات المعلوماتية الجديدة والبحث فيها لاستخراج ما يريد.

ويرى بعض التربويين أن الحل الحقيقي لمشكلة ثورة المعلومات، ليس بزيادة المحتوى في المقررات الدراسية، أو بزيادة عدد هذه المقررات، وإنما في تزويد الطلاب بعامة، وطلاب الجامعة بخاصة، بتلك المجموعة المتميزة من مهارات المعلومات والمكتبات.(16)

لقد شهد عصرنا هذا ثورة في نطاق المعلومات، وطرق تنظيمها وتبويبها وتوظيفها، "وهي ثورة لم يسبق لها مثيل من قبل، فلأول مرة يتضاعف حجم المعرفة الإنسانية مرة كل شهر، بل إن قدرة الكمبيوتر تتضاعف هي الأخرى كل 18 شهراً، ويصغر حجمه إلى النصف خلال نفس الفترة أيضاً. ومع التغيير والتطوير الهائل الذي يجري الآن على الميكروبروسيسيور، القلب والمحرك للسوبر، فإن احتمالات هذه الثورة تبدو لا حدود لها. وهناك الآن ما يسمى الذاكرة "الهولوجرافية" الذاكرة ذات الأبعاد الثلاثية، التي تستطيع أن تخزن المعلومات في طبقات من الكريستال، عن طريق تقاطع شعاعين من الليزر في زوايا مختلفة، ويمكن أن يحتوي على ما يوازني 10 جيجا بايت في حجم قطع السكر الصغيرة.(17)

وهناك اليوم كذلك مجموعة من الشركات تتعاون في إنتاج "سوبر كمبيوتر" له القدرة على الفهم، يسمى دائرة المعارف، ويستطيع الإجابة على أي سؤال بإجابة مقنعة وعاقلة تدل على الفهم. وقد وصل السوبر كمبيوتر الآن إلى القدرة العقلية لطفل في السادسة أو السابعة، كما أنه يستطيع أن يقرأ الصحف، ويرد على الأسئلة، ويترجم من لغة إلى أخرى.

لقد أصبح الإنسان اليوم قادراً على أن يتوقع ويكتشف ويستشرف الاحتمالات المختلفة وأن يوجد الحلول المناسبة في عالم شديد التعقيد وفي أنظمة مركزية شديدة التشابك. ففي مقابل الثورة الاتصالية والمعلوماتية شهد العالم ثورة تكنولوجية هائلة، وتناقصت الفترات الزمنية بين الاكتشافات، نظرياً، وتطبيقاتها العملية والصناعية، ثم تسويقها تجارياً، وأصبح الإنسان محاطاً بقدر هائل من الاكتشافات التكنولوجية في كافة مجالات الحياة، وأصبحنا نسمع الآن عن الكيمياء الإحصائية، التي مزجت بين القدرات الهائلة للسوبر كمبيوتر وعلم الكيمياء والتكنولوجيا فائقة الصغر والذكاء الصناعي.(18)

لماذا "الجيل المسخ"؟!

إن الظاهرة الشاملة، في عدم إكساب الطالب مهارات الرجوع إلى مصادر المعلومات والمكتبات، تعود، حتماً، لأحد الأسباب الآتية: أو لها مجتمعه: أولاً: عدم إدراك المدرس في الجامعة لمهمته الحقيقية. ثانياً: تدني الوازع المهني لديه. ثالثاً: ضعف الرقابة أو المتابعة من الإدارة ورؤساء الأقسام. والنتيجة دائماً هي الإسهام في إضعاف الحماس العلمي والتحصيلي، ثم تعطيل العديد من عناصر العملية التعليمية والتربوية، وبالتالي تخريج جيل من "الإمًعات" العلمية الواهنة الضعيفة.

والحديث عن التعليم الأهلي، في هذا الجانب، ليس هو الأقل إيلاماً مما عليه الحال في التعليم الحكومي. فإذا كان هذا الأخير يمنح التقديرات العالية للطلاب لشعوره بأنه شريك في المستوى المتهالك الذي هم عليه، فإن الأول يفعل ذلك معتقداً بأن ذلك حق لمن يدفع "النقود" لقاء تعليم أبنه، فكأن أولياء الأمور يدفعون أولادهم إلى المدارس الأهلية لشراء "الدرجات" وليس لرغبة في بلوغ مستوى أفضل من الأداء والانضباط، وربما أحست المؤسسات التعليمية الأهلية بأن ما تفعله يجد هوى عند الآباء بغض النظر عما يتضمنه من غش يضر بالطالب، والأسرة كذلك، فما هي نتيجة أن ينال الابن درجة عالية وهو لا يستحقها؟! النتيجة بطبيعة الحال هي بناء شخصية مزيفة، جوفاء، متداعية، وعندما يتكشّف عنها الغطاء نكون أمام كائن ضعيف، متهالك، لا يقدم ولا يؤخر، عالة على نفسه وعلى غيره. فهل هذا هو المطلوب؟! وهل من أجل هذا أشدنا المدارس وأقمنا الجامعات؟!

إن عدم ترسيخ القيم العلمية التحريضية لدى الشباب في المراحل الدراسية المختلفة، يعدّ من أبرز ما يمكن أن يعمق العيوب الفاضحة التي نلاحظها في شبابنا، ثم تكون المحصلة النهائية "جيلاً مسخاً" لا نستطيع أن ننافس به، أو نزهو بقوته وتأثيره.

ونحن إذا كنا قد عقدنا العزم على بناء أمة حديثة ومنافسة. فلا بد أن ندرك بأن "العلم" هو الحل، وأنه في الوقت نفسه، هو المفتاح الحقيقي إلى كل تطلعاتنا، وما يتعرض له المشروع التعليمي من أنواع الخلل هو الذي سيسهم في الإبطاء بنا في الوصول إلى تلك التطلعات. إن من ينظر إلى مستويات الخريجين، الآن، وما هي عليه من هزال وضعف، يحق له أن يحزن، كما يحق له أن يتشاءم مما بدا حتى الآن من ملامح الكارثة.

د. فهد العرابي الحارثي
(باحث سعودي)

الهوامش
(1) انظر مختار، علي حسن (د.)، قضايا ومشكلات في المناهج والتدريس، ط1، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة 1985م، ص27.
(2) انظر بو شامب، إدوارد، التربية في اليابان المعاصرة، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ص54.
(3) انظر السابق، ص.ص38-59.
(4) انظر السابق.
(5) انظر الحوات، علي الهادي (د)، التربية العربية رؤية لمجتمع القرن الحادي والعشرين، ط1، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، 2004م، ص87.
(6) انظر شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط2، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975، ص92.
(7) انظر مختار، علي حسن (د.)، ص ص 37-38.
(8) انظر السابق.
(9) انظر إبراهيم، أبو السعود، التعليم والمعلوماتية دور الإنترنت في إعداد الخريجين وتدريس اللغات مع تقديم رؤية إستراتيجية للتعليم في الأقطار العربية، أخذ في 2006م http://www.ituarabic.org/E-Education/Doc13-AlAhram.doc
(10) انظر بو شامب، إدوارد، التربية في اليابان المعاصرة، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ص ص35-54.
(11) انظر السابق، ص64.
(12) شبكة النبأ المعلوماتية – أربعاء 28/كانون الأول/2005 – 25/ذي القعدة/1426هـ. www.annabaa.org
(13) انظر مختار، علي حسن (د.)، ص31.
(14) انظر السابق .
(15) انظر بو شامب، إدوارد، ص55 .
(16) انظر إبراهيم، أبو السعود، التعليم والمعلوماتية دور الإنترنت في إعداد الخريجين وتدريس اللغات مع تقديم رؤية إستراتيجية للتعليم في الأقطار العربية، أخذ في 2006م http://www.ituarabic.org/E-Education/Doc13-AlAhram.doc.
(17) انظر السابق.
(18) انظر السابق.

التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
http://www.asbar.com/upload/images
1
484