مقدمة:
يشيع في المجتمعات الخليجية عموما اعتقاد مفاده إننا شعوب لا تعمل، أو أننا
لا نتقبل المهن التي ربما درت دخلا جيدا يتجاوز دخل الوظيفة الحكومية، وخاصة
الأعمال التي يزداد الطلب عليها في القطاع الخاص؛ كالمهن اليدوية والمهن ذات الطابع
التجاري والخدماتي. ويدلل البعض على صحة اعتقادهم بالأعداد الهائلة للعمالة الوافدة
في دول الخليج والتي تتجاوز عدد السكان الأصليين أحيانا كما الحال في دولة الإمارات
العربية حيث تبلغ نسبة الوافدين 81% من المجموع العام للسكان حسب الإحصائيات
الرسمية، بينما تبلغ نسبة الوافدين في السعودية 27% من مجموع السكان أو ما يعادل
سبعة ملايين وافد. ويلفت انتباه الكثيرين منا إن العمالة الوافدة لم تترك مجالا إلا
وعملت فيه بما في ذلك الأعمال البسيطة التي لا تتطلب مهارات أو تدريب مسبق مما
يستطيع شبابنا القيام به حتى وان لم يتوفروا على تعليم عالي وتقني أو مهارات
بعينها؛ كالبيع بالتجزئة وتوزيع السلع، والنشاطات التجارية الصغيرة التي لا تتطلب
رؤوس أموال كبيرة للبدء بها.
وقد كتب كثير من الباحثين حول هذه الظاهرة (العزوف عن العمل) بهدف إيجاد حلول لها،
ودبجت مئات المقالات والدراسات التي أنفق عليها ملايين الريالات لدراسة الظاهرة،
وتفسيرها ومعرفة أسبابها للوصول إلى نتائج مفيدة. ومع ذلك فإن دول الخليج العربية
لم تصل إلى حلول جذرية لمعالجة مشكلة عدم إقبال أبنائها على العمل الذي يتقبله
الوافد بسهولة، علما إن بعض الوافدين العرب (اليمن تحديدا) لا يمارسون في بلدانهم
كثيرا من المهن التي يمارسونها في المملكة ودول الخليج الأخرى؛ ليس لأنها غير مجدية
اقتصاديا ولكن ترفعا عنها بسبب العادات الاجتماعية التي تحقر تلك المهن وتحط من
شأنها. هذه المسألة تحديدا هي ما تستحق الوقوف عندها لتتبع الجذور التاريخية
والاجتماعية لظاهرة احتقار العمل في المجتمع الخليجي.
ظاهرة احتقار العمل:
نطرح بهذا الصدد أربع فرضيات يبدو للكاتب أن لها ارتباطا وثيقا بمسألة احتقار العمل
والحط من شانه؛ مما يعد بحق معوقات اجتماعية وثقافية تمنع الخليجيين عموما من ترسيخ
ثقافة العمل كوسيلة للنهوض بمجتمعاتهم. وتتمثل الفرضية الأولى بتأثير أرث البداوة،
وثانيا تأثيرات نظام العبودية الذي كان سائدا في دول الخليج حتى بداية الستينات من
القرن العشرين، ثم تأثيرات الطفرة الاقتصادية التي برزت منذ منتصف سبعينات القرن
العشرين، والتي يتضح إنها أحدثت تأثيرات سلبية في العقلية الخليجية، وأخيرا دور
نظام التعليم العام الذي لم ينجح في غرس ثقافة العمل في أذهان الناشئة. ونتناول
أدناه كل فرضية على حدة لمزيد من الإيضاح بهدف معرفة كيف تؤثر في مفهوم "ثقافة
العمل".
أولا: تأثيرات أرث البداوة Nomadism
يمكن تتبع ظاهرة "الحط من شان العمل المهني واليدوي" من خلال فحص مكونات المجتمع
الخليجي وتركيبته الاجتماعية؛ إذ ليس بخاف إن معظم شرائح هذا المجتمع تتأسس على
بنية قبلية Tribal بدوية؛ ما يعني سيادة قيم وأعراف تستهجن ممارسة كثير من الأعمال
والمهن المفيدة بما في ذلك الزراعة على سبيل المثال لا الحصر. نشير بهذا الخصوص إن
استهجان ممارسة المهن ينسحب في الغالب على من ينتمون إلى قبائل معروفة، لأنهم كانوا
في السابق يتركون المهن اليدوية إلى غيرهم كالعبيد ومن لا ينتمون إلى قبائل ممن كان
تواجدهم ملموسا بين القبائل وفي القرى. وبالتأكيد فإن هناك تصنيف للمهن عند البدو؛
فهناك نشاطات وأعمال تقع في أعلى السلم الاجتماعي؛ كالغزو والسلب، والرعي، وتربية
الحيوانات كالجمال والأغنام. يستثنى من ذلك تربية الأبقار لأنها من عمل سكان القرى
ممن يمتهنون كذلك الزارعة، وكلا المهنتين في العرف البدوي (تربية الأبقار والزراعة)
محتقرتان؛ ربما لأنهما تتطلبان استقرارا مكانيا وهو ما يأنف منه البدوي؛ لأنه يعتمد
اعتمادا شبه تام على الجمال التي تتطلب رعايتها والعناية بها الانتقال المستمر من
مرعى إلى آخر. وتأسيا على ذلك فإن ممارسة أي مهنة مهما كانت شريفة ومفيدة ومنتجة
تظل في العرف القبلي والثقافة البدوية غير مقبولة لأنها تستلزم الاستقرار ومن ثم
تعيق تنقل الجماعة البدوية التي تجنح نحو الترحال الدائم بحثا عن الكلأ، وبسبب
الغزو الذي لا يوفر بيئة مناسبة للاستقرار ومن ثم الازدهار الذي نجده في المدن
والحواضر.
لقد لفتت هذه المسألة انتباه بعض علماء الاجتماع الذين كتبوا عن البداوة؛
كعبد الرحمن بن خلدون و من جاءوا بعده كماكس فيبر Weber وجانزن Janzen وسالين Salin
الذي يعتقد إن البداوة تقف موقفا مضادا بالكلية للحضارة. وحقيقة فإن البداوة
الترحالية Nomadism بهذا المعنى الذي كان معروفا في الجزيرة العربية (ترحال دائم
وعدم استقرار) تظل سلبية فيما يتعلق بالنظرة للعمل والإنتاج المفيد عدا ما ذكرنا عن
الغزو؛ بل إن البداوة كانت تقف عائقا حقيقيا أمام كثير من النشاطات الإنسانية
الخلاقة. ونشير إلى ان الدين الإسلامي والعلوم المتصلة به لم تترعرع في الصحراء
ولكن في المناطق الحضرية كمكة المكرمة والمدينة المنورة والبصرة والكوفة وبغداد.
وقد وجد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ما يشبه ذلك في أوربا وذلك في معرض
مقارنته بين الكاثوليك والبروتستانت؛ فالكاثوليك (الأكثر تدينا مقارنة بالبروتستانت
الأكثر انفتاحا) ينقطعون إلى العبادة ويتعلقون بالسماء أكثر من تعلقهم بالأرض، ومن
ثم لاحظ فيبر إن الكاثوليك لا يقيمون اعتبارا للعمل والإنتاج كما يفعلون مع
العبادة، بينما يميل البروتستانت إلى الدنيا والعمل رغم أنهم لا يقلون عن الكاثوليك
إيمانا بتعاليم المسيح. وقد دلل فيبر على صحة مقولته بأن الرأسمالية الصناعية
الأوروبية لم تنشأ في المناطق الكاثوليكية من أوروبا (ايطاليا وأيبيريا وشرق
أوروبا) ولكنها نشأت في مناطق يقطنها أغلبية بروتستانتية (انجلترا وألمانيا وفرنسا
واسكندنافيا)، رغم إن معظم البلدان الأوروبية تتوفر على المادة الخام ومقومات
الصناعة والنهضة العلمية. ورغم إن فرضية فيبر قد لا تكون صادقة تماما لأن دول
أوروبا تعد جميعا متقدمة على المستوى التقني، إلا إن ما يلفت الانتباه إن
الأوروبيين ومنذ مرحلة مبكرة فطنوا إلى مكامن عللهم وعالجوها والدليل عدم وجود دول
أوروبية ضمن دول العالم الثالث بما في ذلك ألبانيا المسلمة !!
وعود على مجتمعاتنا الخليجية فإنها وللأسف لم تستطع تجاوز الماضي فالبداوة
بمعناها الثقافي (عقلية وطرائق تفكير) لم تختف؛ بل إنها تعيد إنتاج نفسها على شكل
منظومة قيم ومتوارثات اجتماعية تقف سدا منيعا أمام أي فرصة سانحة للتغيير البناء
وترسيخ قيم العمل والإنتاجية. نحن ندلل على ذلك بالإعداد الهائلة من أبناء الخليج
الذين يأنفون على سبيل المثال من ممارسة المهن اليدوية التي قد تدر أرباحا طائلة
بسبب "ثقافة العيب"، ولكنهم في الوقت ذاته يتكالبون على مهن أقل ما توصف بأنها شاقة
و غير مجدية ماديا. إنهم بذلك يتركون مهن تدر آلاف الريالات ويتجهون نحو مهن
بعينها، فقط لأنها "مقبولة" اجتماعيا رغم إن دخل بعض تلك المهن "المقبولة اجتماعيا"
قد لا يكفي لشراء "ذبيحتين" في الشهر ناهيك عن متطلبات العصر التي لا يستطيع أحيانا
الإيفاء بها كبار الموظفين أصحاب الدخول التي تصنف "مرتفعة". هذه مفارقة تشير إلى
الأثر السلبي الذي يحدثه التشبث ببعض المتوارثات التي تعود للحقبة الرعوية البدوية
وهي متوارثات لا تسمن ولا تغني من جوع في الوقت الذي يدرك الكثيرين إنها بالفعل
كذلك دون أن يستطيعوا تجاوزها أو تغييرها ما يعني إنها أصبحت حقائق قسرية تفرض
نفسها على الأفراد رغم عنهم، كما يفسر ذلك عالم الاجتماع دوركايم في معرض تحليله
لبعض الظواهر الاجتماعية التي من سماتها القسرية.
ثانيا: تأثيرات نظام العبودية Slavery
حتى عهد قريب فإن العبودية كانت ركنا مكينا في تجارة المجتمع الخليجي؛ حيث كان
يتم استقدام الرقيق من سواحل عمان وسواحل إفريقيا الشرقية بواسطة متعهدين يقومون
وعن طريق وكلاء محليين ببيعهم في أسواق نخاسة تنتشر في معظم دول الجزيرة العربية.
وحقيقة فإن وجود العبيد كان ضروريا للغاية لأنهم كانوا يؤدون معظم المهن التي
يحتاجها أفراد المجتمع ويترفعون عن ممارستها باعتبارها "مهن وضيعة" حسب العرف
القبلي الذي ذكرنا طرفا منه آنفا؛ ففي المجتمع البدوي يقوم العبيد بالرعي وإعداد
الطعام والقهوة. أما الذين يعملون مع النساء فيتم اخصاؤهم لضمان إلا على النساء
جنسيا، بينما يقوم الملاك بالتسري بالإناث انطلاقا من قاعدة "ملك اليمين" التي تبيح
ذلك للمالك متى رغب ودون قيود تتعلق بعدد الإماء. أما في المجتمعات الحضرية
والريفية فإن العبيد كانوا يقومون بنفس المهن السائدة في المجتمع البدوي إضافة إلى
العمل في الزراعة والمهن اليدوية التي كان يحتاجها المجتمع الحضري؛ كصناعة الأسلحة
والأواني المنزلية، والمنتجات الخشبية والجلدية. وغني عن الذكر إن معظم العبيد
والموالي كانوا يجلبون من مجتمعات حضرية في الأصل وربما كانت متقدمة نسبيا؛ بحيث
يتوفرون على مهارات غير معروفة في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، ومن ثم يقوم
العبيد بسد النقص في سلم المهن المطلوبة التي يأنف من ممارستها معظم سكان الجزيرة
العربية بدعوى أن ممارستها تتعارض مع القيم السائدة كما أوضحنا في معرض حديثنا عن
قيم البداوة. وقد نجم عن ارتباط المهن بالعبيد إن نشأ في مجتمع الجزيرة العربية
"فرز مهني" بحيث أصبح معظم المهن اليدوية عملا يقوم به العبيد ويترفع عنه السادة
masters الذين كانوا يمثلون القدوة لأتباعهم. هناك بطبيعة الحال استثناءات بسيطة
حول ممارسة بعض المهن؛ فالنساء كن يمارسن العمل اليدوي في بيوتهن دون أي حرج، وهو
ما يعكس جانبا من بنية المجتمع البطركي (الأبوي) حيث الموقع المتدني للمرأة والذي
يدفع بالإفراد إلى إلقاء مسؤولية العمل المنزلي والزراعي على كاهل المرأة. لوحظ
بهذا الصدد إن النساء أكثر مهارة من الرجال في معظم أمور البيت وتدبير شؤونه وخاصة
في المجتمع البدوي بينما يميل الرجال إلى الدعة وتجاذب أطراف الحديث وتناول القهوة
العربية، وممارسة الأعمال الحربية والحديث عن بطولاتهم في السلب والنهب. إن هذا
الوضع رغم انه ولى منذ زمن بعيد إلا إن آثاره لا تزال قائمة حتى اليوم، عدا إن
العمالة الوافدة أخذت تمارس جميع المهن التي كان يقوم بها العبيد والنساء في الزمن
الغابر. نحن نستطيع أن ندلل على ذلك بجيش الخدم "والشغالات" وعمال الصيانة والنظافة
والبناء والتشييد الذين يعملون في مساكن الخليجيين ومصانعهم ومحلاتهم التجارية،
وشوارعهم، والذين لا يمكن الاستغناء عنهم بسهولة كما هو واضح. إنهم بكلمة أخرى
"العبيد الجدد" في الوقت الذي لا نزال نعتقد إننا في حقبة العبيد الذين تم تحريرهم
نهائيا عام 1962م إبان فترة المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز.
ثالثا: تأثيرات الطفرة الاقتصادية (1975-1986)
بنهاية عام 1973 وحلول عام 1974م كانت أسعار النفط قد صعدت إلى مستويات غير
معهودة؛ الأمر الذي نتج عنه زيادة المداخيل المالية للدول الخليجية إلى مستويات لم
تكن بأي حال من الأحوال متوقعة. وقد نجم عن زيادة الدخل تحسين البنية التحتية و رفع
أجور المواطنين العاملين في الدولة وكذلك القطاع الخاص الذي استطاع أن ينمو بشكل
سريع مستفيدا من الفائض المالي من خلال انهماكه بمشاريع وعقود حكومية توجهت إلى
تأسيس البنية التحتية. وحقيقة فإن المشكلة ليست في الفوائض المالية إذا ما تم
توظيفها بشكل صحيح، إلا إن المشكلة التي برزت مع الطفرة الاقتصادية تمثلت في بروز
سلوكيات اجتماعية جديدة جذرت فكرة المجتمع الثري الذي نحا أفراده تجاه الدعة
والاستهلاك البذخي وكثيرا من السلوكيات السلبية.
ولقد كان من أهم ما صاحب الطفرة من "سلبيات" أن تم فتح الباب على مصراعيه
لاستقدام العمالة من الدول العربية والآسيوية بسبب ضخامة المشاريع المنفذة من جهة،
ومن جهة أخرى بسبب ندرة اليد العاملة الماهرة في معظم دول الخليج العربية. هذا
الأمر تحديدا ساهم وبشكل مباشر في خلق اعتماد على العمالة الوافدة للدرجة التي جعلت
سكان الخليج يستقدمون جميع أصحاب المهن؛ تلك التي هم فعلا بحاجة إليها، ومهن أخرى
غير ضرورية يمكن الاستغناء عنها مما عرف لاحقا "بالعمالة الناعمة"، علما إن الفئة
الأخيرة لم تعد "عمالة ناعمة" بل أصبحت المهن التي تقوم بها وبمرور الوقت ضرورية
جدا بسبب السلوك البذخي من جهة ومن جهة أخرى بسبب تعطيل قدرة المرأة على الانخراط
في سوق العمل وقصر نشاطها على أعمال محددة تماشيا مع العادات والتقاليد.
وليست المشكلة في العمالة الوافدة بأي حال من الأحوال؛ فهي تؤدي ما يطلب منها بل إن
المشكلة تكمن في المواطن الذي لم يتفاعل مع الطفرة بشكل ايجابي بسبب سلوكه البذخي
والاستهلاكي، ولم يستفد كذلك من وجود العمالة بشكل يجعله يستغني عنها كما فعلت كثير
من الدول التي سبقتنا. هذا الوضع جذر من فكرة الاعتماد على الوافد.
ومن الآثار السلبية لوجود العمالة إن كثيرا من المهن أصبحت ترتبط بجنسيات
محددة سلفا ما يجعل المواطن الخليجي ينصرف عنها وبالطبع من خلال نظرة متحيزة
للعمالة الوافدة وما تقوم به. إن هذه المسألة تحديدا تشير إلى وجود ذهنية تحمل
أفكار مقولبة عن العمل والإنتاج ومن يقومون بالعمل. وتكمن المشكلة في أن هذه
الأفكار ترسخت لدى معظم شباب دول الخليج؛ ومنها إن العمل مهما كان شريفا ومفيدا
فإنه لابد انه يرتبط بفئات وشرائح تقع في ادنى السلم الإنساني إشارة إلى العمالة
الوافدة. لقد جاءت هذه الأفكار متسقة تماما مع الذهنية البدوية التي طرحناها في
فرضيتي تأثيرات البداوة والعبودية. وبالطبع فإن العمالة الوافدة و إن لم تخطط للأمر
فإنها لعبت دورا مهما في ترسيخ الأفكار المقولبة في ذهن المواطن الخليجي حتى تضمن
بقاءها أطول فترة ممكنة في دول الخليج ولتأكيد انه لا يمكن الاستغناء عنها من خلال
محاربة المواطن والتضييق عليه عندما ينحو تجاه الأعمال التي تقوم بها العمالة وخاصة
تلك المرتبطة بسوق التجزئة والأعمال التجارية الصغيرة على وجه التحديد.
يضاف إلى كل ذلك إن دول الخليج العربية لم تطرح إستراتيجية طويلة المدى لخلق
"تغيير اجتماعي شامل" يواكب الطفرة الاقتصادية مما أوجد "هوة ثقافية" واسعة يصعب
ردمها قبل مرور زمن طويل. كان الأولى التركيز على التنمية الاجتماعية وجعلها هدف
أول، أو على الأقل هدف موازي للتنمية الاقتصادية حتى تحدث النقلة بشكل ناعم ودون
خسائر اجتماعية فادحة كما حدث في بعض الدول. ويمكن القول إجمالا إن الطفرة
الاقتصادية لم تكن كاملة لأنها نهضت على رجل واحدة تمثلت في الاقتصاد والتغيير
المادي، مع إغفال شبه تام للرجل الأخرى المتمثلة بالإنسان الذي توجهت له التنمية.
رابعا: نظام التعليم Education
كتب عن التعليم كثير وسودت الصحف بمئات المقالات التي توجه له سهام النقد؛
وخاصة ما يتعلق بمخرجاته رغم حدوث توسع هائل في هذا القطاع سواء في التعليم العام
أو التعليم العالي. وحقيقة فإننا لسنا بصدد مناقشة المخرجات وما إذا كان عدد
الجامعات كافيا أم لا، إلا إننا نشير إلى حقيقة راسخة لاحظها عدد كبير من المعنيين
بالشأن التعليمي وهي غياب العلاقة بين التعليم والممارسة الواقعية؛ وخاصة في الصفوف
الدنيا التي تسبق المرحلة الجامعية للدرجة التي جعلت معظم خريجي الثانوية العامة في
دول الخليج العربي ينصرفون عن التعليم التقني والمهني و يتجهون نحو الجامعات أو
الكليات العسكرية. وقد يعود عدم توجههم للتعليم الفني والتقني ناتجا عن نظرتهم
للعمل المهني الذي يبدو انه لا يحظى بسمعة حسنة بين أوساط خريجي الثانويات. صحيح إن
هناك أعداد كبيرة من خريجي الثانوية أصبحوا يتوجهون إلى الكليات التقنية إلا إنهم
يفعلون ذلك بسبب عدم قبولهم في الجامعات وخاصة في التخصصات النظرية التي أصبحت عبئا
على سوق العمل الخليجي.
معظم خريجي الكليات التقنية و بعد تخرجهم وحسب المعطيات المتوفرة يتسربون من
سوق العمل الحقيقي (المهني والتقني في القطاع الخاص) بحثا عن الوظيفة الحكومية وذلك
بسبب نظرتهم للعمل التي لا تزال تشوبها كثيرا من الشوائب المرتبطة بالذهنية التي لا
تقدر قيم العمل. يستلزم هذا الأمر تحديدا ربط التعليم بالممارسة الواقعية بشرط إن
يتم ذلك منذ الصفوف الأولى وذلك لخلق عقلية علمية تقبل على العمل والابتكار دون
الالتفات إلى المعوقات والموروثات الاجتماعية التي تنظر للعمل باحتقار. إذا ما تم
النهوض بالتعليم وإعادة النظر بمضمونه فإن المشكلة ستكون في طريقها للحل، أما إذا
ظل كما هو عليه فإن النتيجة على المدى الطويل ستكون سلبية للغاية على الأقل على
المستوى الاقتصادي.
خلاصة:
عدد كبير من الباحثين في تناولهم لمشكلة عدم الإقبال على العمل يركزون فقط
على المعوقات الاقتصادية والإدارية والبيروقراطية ، ومن ثم نجدهم ينحون باللائمة
على الحكومات، ويتهمونها بالتقصير وإنها لا تفتح وظائف جديدة، وان مخرجات التعليم
وأغلبه حكومي لا تتناسب ومتطلبات سوق العمل، وان الاقتصاد بطيء وغير ذلك من الوصفات
الجاهزة التي نسمعها كثيرا وهي في أغلبها مع ذلك صحيحة. وتنتهي أطروحات الباحثين
بلوم الحكومات على تقصيرها وإنها لم تفعل ما بوسعها لتوظيف الشباب. إما موضوع بطالة
المرأة فإنه موضوع آخر ويحتاج إلى بحث مستقل؛ حيث ترتفع أصوات كثيرة لأشخاص ينادون
بإيجاد وظائف للخريجات بذريعة إن البطالة بين النساء وصلت إلى معدلات مقلقة وان من
يعملن بالقطاع الحكومي والخاص لا يشكلن سوى 5% من القوة العاملة في السوق السعودي
على سبيل المثال. اعتقد إن خلاصات واستنتاجات كتلك لا تقدم كثيرا في علاج المشكلة
التي لم تعد اقتصادية فقط؛ ولكنها اجتماعية بالدرجة الأولى. إن كثيرا من المحللين
والمنظرين لمشكلة البطالة يتناسون الجوانب الاجتماعية والثقافية عند طرحهم لموضوع
البطالة؛ بل إنهم ينظرون للبطالة من جانب واحد فقط وهي نظرة قاصرة بالتأكيد؛ لأن
للبطالة جوانب سلوكية ترتبط في الغالب بمنظومة القيم الاجتماعية والثقافة
الاجتماعية بشكل عام وهو ما حاولنا تسليط الضوء على بعض جوانبه هنا.
| |
د. خالد بن عمر الرديعان
(اكاديمي سعودي)
|