قضية الشهر
اغسطس / 2008

عندما قتل التوسير زوجته

د.خالد بن عمر الرديعان (أكاديمي سعودي)
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:

تم في الآونة الأخيرة تناقل رسالة جوال sms تشير في مضمونها إلى ما يعتقد انه "خصائص سلبية يحملها الرجل السعودي"، وقد كانت الرسالة طريفة جدا بدليل إنها حظيت باهتمام قطاع واسع من السيدات السعوديات اللاتي قمن بتبادلها وكأنهن وقعن على كنز ثمين، بل إنهن أكثر الفئات التي روجت للرسالة لكثرة تناقلهن لها ووجودها في جوالاتهن. تشير الرسالة إلى مجموعة من الخصائص؛ كالقول إن الرجل السعودي "متكرش" وانه إذا "نام ما قام" وانه إذا "خرج من المنزل لم يعد إليه إلا متأخرا" ويردد كثيرا عبارة "وش طبختوا اليوم؟" وانه إذا "نام أعطى ظهره لزوجته" وانه "دايم زعلان" وانه يعامل زوجته بفظاظة، وتغيب عنه اللباقة والرومانسية، وانه يكني المرأة بعبارة "هيش" بدلا من مناداتها باسمها أو تدليعها، أو استخدام أسماء "دلع" تحبها كما يفعل إخواننا المصريون، وان انسى لا أنسى الأمريكيون الذين ابتكروا كلمات مثل "Honey" و "Sweaty" و "Babe" والتي تعني على التوالي: ياعسل، ياحلاوة، ياصغيرتي.

لن أدافع عن الرجل السعودي فلدى الكثير منا سلبيات كما لنسائنا أيضا مما يمكن تسميته بصور نمطية للمرأة قد تصدق أو تكذب. وحقيقة الحال إننا كرجال نتفاوت في حمل الخصائص السلبية الواردة في الرسالة المذكورة، إلا انه يمكن اعتبار ما ورد فيها من عبارات بمثابة "نموذج مثالي للسلبيات" بحيث إن من يأتي بجميعها ودفعة واحدة يعد وبجدارة من أصحاب الخصائص السلبية إذا ما أردنا استعارة مقولات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في الإدارة البيروقراطية ونموذجها المثالي. ما يلفت الانتباه إن كثيرا من نساءنا أيضا يرددن عبارة تأكدت من أكثر من مصدر إنها شائعة بينهن، والعبارة التي يرددنها هي: "كلكم يالرجال كذا" وهي عبارة تنطوي على اعتقاد مفاده إن جميع الرجال (الأب، والزوج، والابن، والذي يمشي في الشارع، والمقيم في بريدة وسكاكا والخرخير..الخ) يحملون خصائص سلبية تتعلق بتعاملهم ونظرتهم للمرأة وذلك دون استثناء؛ سواء كانوا متعلمين أو أنصاف متعلمين أو جهلة بصرف النظر عن أعمارهم ومهنهم ومستوياتهم الاقتصادية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماهي تلك الصفات؟ نطرح السؤال بصيغة أخرى فنقول: ما الذي نقوم به كرجال حتى تغضب منا نساءنا ليرددن على مسامعنا العبارة التي لا نود سماعها: "كلكم يالرجال كذا"؟

بعد بحث وتمحيص شديدين، تبين لي ان للأمر علاقة بفكرة الفروق الاجتماعية والثقافية بين الجنسين التي تقصي المرأة إلى موقع خلفي و تجعل الرجل في موقع متقدم. وقد تبين ان عبارة "كلكم يالرجال كذا" ترتبط في الغالب بمسألة توجس المرأة السعودية الدائم من فكرة عدم ولاء الزوج السعودي لزوجته بما يكفي، وان الرجل "مشروع خيانة زوجية تدب على الأرض بقدمين ثابتتين"، وانه قد يقترن بامرأة اخرى أو ينجرف اليها ربما بدون اقتران شرعي عندما يتعذر ما هو مشروع وجائز!! يمكن تسمية هذا الهاجس أو العرض النفسي "بعقدة الضرة" أو "متلازمة الجارة". وهو هاجس أو متلازمة syndrome مركزية ومتأصلة عند المرأة السعودية، ولا تستطيع الفكاك منها. وقد يعود ذلك الى شيوع ظاهرة الاقتران بأكثر من زوجة، ومشروعية الأمر دينا وعرفا بل وسهولته على المستوى التطبيقي في ظل بروز البدائل الجديدة؛ كزواج المسيار والمصياف وقنوات البحث عن شريك التلفزيونية، وانه لا يوجد قيود تمنع أو تحد من التعدد كما فعلت بعض الدول التي سنت قوانين تمنع ظاهرة تعدد الزوجات كما فعلت تونس التي منعت وجرمت تعدد الزوجات منذ عام 1956م.

وقد تنشأ في المستقبل عيادات نفسية (عندنا) لعلاج هذا العرض تماما كما نفعل اليوم في علاج الاكتئاب والاحباط وادمان المخدرات والعقد النفسية الاخرى. واكاد اجزم ان كل امرأة سعودية متزوجة لديها مشكلة الخوف من اقتران زوجها بأمرأة اخرى، أو ان لديها بعض اعراض المشكلة حتى وان كان زوجها فقير فقرا مدقعا يمنعه حتى من التفكير بالأمر برمته. البعض منهن تغار على الزوج بطريقة مرضية (باثولوجية) ولديها اعتقاد راسخ ان هناك جيشا من الآنسات راغبات الزواج اللواتي يتربصن بها الدوائر لأصطياد زوجها والأقتران به حتى وان كان كارها، وهو الذي ربما كان دميما ومتكرشا ويمكث جل وقته في الاستراحة، كما تقول رسالة الجوال، أو انه من الذين ينامون مع زوجاتهم وظهورهم الى الجهة الاخرى (جهة الاباجورة) بحجة شعورهم بالارهاق والصداع وآلام الظهر، في الوقت الذي تصفهم رسالة الجوال بأنهم لايعملون كثيرا سواء خارج المنزل أو داخله ليلا أو نهارا !! ما يعني انهم يكذبون ويدعون المرض في مواقف تتطلب منهم كامل اللياقة البدنية في مضمار لا تتجاوز مساحته مترين في مترين!!

وبعيدا عن الهذر يبقى هناك سؤال أساسي لابد من طرحه وهو: لماذا تعتقد الزوجات ان فكرة اقتران زوجها بأمرأة اخرى واردة، وانها قد تحدث في أي لحظة؟ اي ما الذي يجعل الزوجة (اي زوجة) تذهب بعيدا في تفكيرها للوصول الى هذه النقطة؟ قد يجيب علم النفس عن هذه المسألة بطريقة مختلفة وافتراضية؛ كالقول انه "لو جاز" للمرأة (اي امرأة) ان تقترن بأكثر من رجل في وقت واحد كما يفعل شعب التودا في شمال الهند، لأصبحنا نحن السعوديون اكثر الرجال تعاسة على سطح الكرة الارضية، ولاصبحنا اكثر الرجال قولا "كلكن يا الحريم كذا"، ولكن لله حكمة في مسألة التعدد. هذا الكلام وهو افتراض assumption قابل للدحض ما يعني انه ربما كان لدى المرأة رغبة لاشعورية أو شعورية في الاقتران بأكثر من شريك، وان ما يفعله قلة من رجالنا يعد بحق متواضع بما يمكن للنساء القيام به فيما لو اتيحت لهن فرصة تعدد الازواج !!

ويبقى دور الباحثين في علم النفس لتأكيد أو نفي هذه الفرضية وسبر أغوراها اذ ربما أدت نتائج البحث الى الكشف عن أمور أخرى أكثر أهمية. وحتى يتم معالجة الوضع بانصاف ودون تحيز الى جنس الذكور فان علم النفس هو الآخر يقول ان لدى كل رجل "عاقل" ونضع عاقل بين قوسين رغبة عميقة بل ودفينة في اللاشعور وربما في العقل الواعي (الشعور) في موت زوجته والخلاص منها، لأنها تقف حجر عثرة في طريق اقترانه بشريكة أخرى، وتعيقه من الحصول على حريته المنشودة، ولاسيما ان الزواج يظل ميثاقا غليظا ليس في ثقافتنا فحسب، ولكن في معظم ثقافات الشعوب، حيث يطلق عليه بالانجليزية -على سبيل المثال- الرباط القانوني legal bond مع ملاحظة مدلول مفردة "بوند" التي تشير الى القيد الذي لافكاك منه، مع التذكير ان الطلاق في بعض الاديان كالكاثوليكية ممنوع وغير وارد البتة الا في حالة زنا أحد الشريكين وهو الذي يصعب اثباته في المحاكم، ما يؤكد رغبة كثيرا من الازواج في موت زوجاتهم. ولعل أشهر مثال لما سبق وتم ترجمته واقعا ما قام به عالم الاجتماع الفرنسي لويس التوسر عام 1982م عندما تخلص من زوجته التي عاشت معه خمسين سنة بطعنها بسكين و قذفها من الدور العلوي في العمارة التي عاشا بها ليهرع بعد ذلك وهو ببجامة النوم إلى جامعة السوربون مرددا عبارة: "قتلتها....قتلتها" على وزن مقولة آرخميدس "وجدتها....وجدتها". وقد كانت الحادثة في حينها مدوية ومحرجة لليسار الفرنسي، لأن الرجل كان رزينا ومفكرا يساريا لا يشق له غبار لينتهي به المطاف في مصحة عقلية.

ونخلص إلى القول إن مقولة "كلكم يالرجال كذا" قد تكون صحيحة إلى حد كبير؛ فمعظمنا معاشر الرجال السعوديين غير رومانسيين البتة، بل اننا نشتري لزوجاتنا جرجير وبقدونس وكراث بدلا من الورد والشموع والشوكولاته، ويهتم الزوج منا بمعدته أكثر من اهتمامه بقلبه وقلب زوجته ومشاعرها، ويعامل المرأة بفظاظة مستحضرا وهو يقوم بذلك رزمة الفروق بين الجنسين التي تعلي من شأن الرجل وتحط من مكانة المرأة.

 

د. خالد بن عمر الرديعان
(اكاديمي سعودي)

التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
http://www.asbar.com/upload/images
1
443