قضية الشهر
مايو / 2008

حول واقع التعليم العالي ومستقبله

د.حميد بن خليل الشايجي ( أكاديمي سعودي )
التعليقات على القضية: الموضوعات والمواقع ذات العلاقة:

المتابع لوضع التعليم العالي في عالمنا العربي؛ يلحظ التدني الملحوظ في مستوى الأداء وضعف المخرجات، الأمر الذي يحتاج إلى غربلة شاملة لنظامنا التعليمي، تشمل كافة جوانبه؛ سواء الميزانيات أو الأنظمة واللوائح، أو إجراءات القبول، أو المكافآت والرواتب، أو المنح البحثية، أو الخطط والبرامج، أو المباني والمنشآت، أو أوضاع أعضاء هيئة التدريس.

وسأكتفي بالحديث هنا عن أحد هذه العناصر، ألا وهو عضو هيئة التدريس. فعضو هيئة التدريس يعاني من كثير من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، فالكادر الوظيفي وسلم الرواتب والحوافز والبدلات، في كثير من جامعاتنا العربية، لازال دون المستوى المأمول، فما يضطر عضو هيئة التدريس في البحث عن استشارات، أو أعمال إضافية تساعد في الرفع من دخله، ليجاري وضعه الاجتماعي، وأقرانه الذين وصلوا إلى مستويات مادية أعلى منه، بينما هو أضاع عمره في التحصيل العلمي.

إن قطاع التدريس الجامعي، يعاني من انخفاض معنويات أعضائه نتيجة لتدني الرواتب، وضعف البرامج التدريبية؛ التي يخضعون لها، والتي ما زالت تعتمد -إلى حد كبير- على إستراتيجية الحفظ والتلقين، يرافق ذلك مناهج وأساليب فقيرة التصميم والموارد.

إن أعداداً كبيرة من أعضاء هيئة التدريس لا يطورن أنفسهم، واكتفوا بالشهادة، والانشغال بأمور أخرى على حساب العمل الأساسي: التعليمي التربوي.

إن هذا الوضع، قاده -كما يرى بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات- إلى التقصير في أدائه الأكاديمي، وعدم اهتمامه بالعملية التعليمية.

إن هذا الوضع المادي، وإن كان حساساً ويحتاج إلى معالجة جادة للرفع من أوضاع هيئة التدريس، إلا أنه ليس عذراً لتقصير عضو هيئة التدريس في أدائه لرسالته الأكاديمية، وليس مبرراً لإهماله لطلابه. فالتدريس، أمانة ومسئولية، وليعلم أعضاء هيئة التدريس في عالمنا العربي، أنه يتوجب عليهم أن يكونوا رأس الحربة في المضي قدماً، نحو عملية إصلاح التعليم. فقد نبه تقرير التنمية الإنسانية العربية الأخير، إلى خطر تردي مستوى التعليم في العالم العربي، واعتبر نوعية التعليم، أحد أخطر التحديات التي تواجه البلاد العربية. ووصف الأنظمة التعليمية المختلفة بمجموعة مناهج منتهية الصلاحية، ومدرسين غير أكفاء، وإمكانات دون المستوى القياسي، وسياسات ومؤسسات غير فعّالة.

إن بعض أعضاء هيئة التدريس، يعيشون ضعفاً خطيراً على المستوى الأكاديمي والثقافي. وأنا في الميدان، أؤيد الرأي القائل، بأن: عدداً ملحوظاً من حملة الدكتوراه يتصفون بضعف المستوى والتلاعب العلمي، وإعطاء التقديرات العالية لاعتبارات اجتماعية وشخصية. كما أن بعضهم لا ينصف طلابه، ولا يعطيهم حقهم في التعليم، فهو: إما أن يكون كثير الغياب؛ نظراً لارتباطاته الأخرى، أو يأتي لطلابه وهو غير محضّر للمادة العلمية، وبالتالي؛ تتحول المحاضرة إلى سواليف ومعلومات عامة غير أكاديمية، وأحاديث جانبية، أو أن يغطي ضعفه وتقصيره بغطرسته وتهديده لطلابه.

كما أن، والأخطر من ذلك، نلاحظ أن بعض أعضاء هيئة التدريس؛ يستغل المحاضرة لتمرير أفكاره وآرائه وميوله ومعتقداته الشخصية، حول بعض القضايا في المجتمع، وإن لم تكن لهذه الآراء والأفكار أيّ علاقة بالمادة التي يدرسها، فأين الأمانة العلمية والإخلاص في العمل، والموضوعية والتجرد في الطرح والتدريس؛ حيث نلاحظ أن بعضهم يقحم بعض القضايا، الاجتماعية والثقافية، إقحاماً في مادة ليس لها علاقة بهذه الأمور البتة، وذلك من أجل غسل أدمغة الطلاب وتشويش تفكيرهم. ويحضر في هذا المجال، موقف مرّ بي عندما كنت طالباً في مرحلة الدكتوراه، في أمريكا، حيث كنت أَدْرُسُ مقرر "التنمية الاجتماعية في دول العالم الثالث"، فسأَلَنا الدكتور: ما رأيكم بالشاذين جنسياً؟ (سؤال غريب ولا يمت للمادة بصلة)، فكانت إجابات الطلاب كالتالي:

اثنان مع الشذوذ الجنسي، اثنان غير مقررين، و 12 ضد الشذوذ الجنسي، ثم أغلق الدكتور هذا الموضوع، واستمر بتدريس المادة حتى نهاية الفصل، ثم سأل السؤال نفسه في نهاية الفصل، فكانت النتيجة مفاجئة، حيث أصبح عشرة مع الشذوذ الجنسي، وأربعة غير مقررين، واثنان ضد الشذوذ الجنسي. فما الذي حدث؟

إن هذا الدكتور، ومن خلال تدريسه للمادة، استطاع أن يتسلل إلى العقل الباطن، ويخاطبه، دون أن يشعر الطلاب بذلك، وبدأ يغذيهم بمفاهيم حقوق الأقليات والحريات الشخصية، ويسحب ذلك على الشاذين جنسياً كأقلية، إلى أن استطاع أن يغير من مواقف هؤلاء الطلاب، علماً بأنهم كانوا طلاباً كباراً ناضجين، فماذا لو كانوا طلاب بكالوريوس، فالأمر، حتماً، سيكون أَمَرّ وأدهى. وطبعاً، اكتشفنا، بعد ذلك، أن الدكتور نفسه من هذه الفئة الشاذة جنسياً.

إن الحديث عن تجاوزات بعض أعضاء هيئة التدريس يطول، ولا تكفيه الصفحات، ولا نريد الدخول في التفاصيل، حتى لا نثير الهواجس، وكثيرون لا يريدون سماع الحقيقة، وستقوم قيامتهم ولا تقعد. وبعدها نتساءل: لماذا لا يزال التعليم العالي يعيش بطريقته المتخلفة حضارياً، على الرغم من كل تلك الكوادر التعليمية الموجودة؟ وصدق أحمد زويل (العالم العربي الحاصل على جائزة نوبل في مجال الكيمياء)، عندما قال: إن العالم العربي والإسلامي بحاجة إلى عقول مبدعة، وليس إلى حملة شهادات.

 

د. حميد الشايجي
(أكاديمي سعودي)

التعليقات على القضية
الموضوعات والمواقع ذات العلاقة
http://www.asbar.com/upload/images
1
387